د. مدحت يوسف يكتب من هنا نبدأ…أكتوبر عقيدة العزة والعبور من إسقاط وهم خط بارليف إلى حماية وعي المستقبل

في الذكرى الثالثة والخمسين لنصر أكتوبر المجيد لا نستعيد معركة انتهت بانتهاء عملياتها العسكرية. بل نستحضر عقيدة وطنية أثبتت أن مصر تستطيع تغيير الواقع حين تمتلك رؤية واضحة وتبني قوتها على العلم وتتحد قيادتها وقواتها المسلحة وشعبها خلف هدف واحد.
لقد سبقت الحرب معركة أخرى استهدفت الوعي المصري. فقد استُخدمت الدعاية والشائعات المغرضة لتضخيم قدرات العدو وترسيخ الاعتقاد بأن استعادة الأرض أمر يتجاوز الإمكانات المتاحة. وجرى تقديم خط بارليف بتحصيناته وسواتره الترابية ونقاطه الحصينة باعتباره خطًا لا يُقهر. وهكذا أُريد للحاجز العسكري أن يتحول إلى حاجز نفسي يسكن العقول قبل أن يقف على الأرض.
لكن القيادة المصرية أدركت أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإرادة من الخوف. فلم تدخل الدولة في سجال علني مع كل شائعة ولم تكشف ما تعده للمعركة. بل واجهت التضليل ببناء حقيقي للقوة وأعادت تنظيم قواتها المسلحة وأعدت المقاتل ودرست العدو واستخدمت المعلومات والخداع الاستراتيجي والتدريب والابتكار في إطار من السرية والانضباط.
وحين جاءت لحظة العبور في العاشر من رمضان الموافق السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ ظهرت الحقيقة التي لا تصنعها الشائعات. عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس تحت النيران وفتح المهندسون العسكريون الثغرات في الساتر الترابي وأقيمت الكباري واقتُحمت الحصون ورُفع علم مصر على أرض سيناء.
سقط خط بارليف لأن المقاتل المصري لم يتعامل مع الصورة التي رُسمت له بل تعامل مع حقيقة درسها واستعد لها. ومن هنا لم يكن تحطيم الخط انتصارًا على تحصينات عسكرية فقط بل إسقاطًا لوهم صُنعت حوله هالة من الاستحالة. وأثبت العبور أن الشائعة مهما ارتفع صوتها لا تستطيع الصمود أمام العلم والإرادة والفعل المنظم.
وصنعت النصر منظومة مصرية متكاملة ضمت القيادة والقوات الجوية والدفاع الجوي والمدفعية والمهندسين العسكريين والقوات البحرية والمشاة والاستطلاع والإشارة والإمداد والخدمات الطبية. أدى كل فرد مهمته داخل خطة واحدة فأكدت أكتوبر أن القوة لا تقوم على السلاح وحده بل على دقة المعلومات ووحدة القرار وكفاءة الإدارة وانضباط التنفيذ وثقة الإنسان في وطنه.
وفي قلب العبور ارتفعت صيحة الله أكبر من صدور المقاتلين. لم تكن مجرد هتاف للحماس بل كانت إعلانًا عن عقيدة تجمع التوكل على الله والأخذ بالأسباب. كانت تعبيرًا عن يقين بأن الله أكبر من الخوف والهزيمة ومن كل قوة حاولت أن تجعل الاحتلال واقعًا دائمًا.
وتجسدت في المعركة وحدة النسيج الوطني بأصدق صورها. وقف المسلم والمسيحي في خندق واحد وامتزجت الدماء دفاعًا عن علم واحد ووطن واحد. وأصبحت الله أكبر صوتًا للإيمان بالحق والعدل وقوة روحية احتضنت أبناء مصر جميعًا ووحدتهم خلف غاية وطنية مقدسة.
لهذا لا تقتصر قيمة نصر أكتوبر على استرداد الأرض. فقد أسس النصر منهجًا في إدارة التحديات يبدأ بفهم الواقع ثم بناء القدرة المناسبة له وينتهي بالفعل الحاسم في توقيته الصحيح. وهو منهج يؤكد أن الأوطان لا تتجاوز أزماتها بالإنكار ولا بالانفعال بل بالمعرفة والتخطيط والعمل وبناء الإنسان.
لقد تغيرت أدوات الصراع لكن استهداف الوعي لم يتغير. فالشائعة التي كانت تنتقل قديمًا في نطاق محدود أصبحت اليوم تعبر الحدود في ثوان. وقد تبدأ من حساب مجهول أو صورة مجتزأة أو تسجيل مزيف ثم تتضاعف بإعادة النشر حتى تبدو لكثرة تداولها كأنها حقيقة. وهنا يصبح المواطن دون قصد جزءًا من معركة موجهة ضد ثقته ومجتمعه ووطنه.
كما امتدت المواجهة إلى الفضاء السيبراني حيث قد يستهدف الهجوم بيانات الدولة أو مؤسساتها أو خدماتها الحيوية. ولذلك أصبح أمن المعلومات والأمن السيبراني وحماية الوعي مكونات أصيلة للأمن القومي إلى جانب القوة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية.
إن مواجهة الشائعات لا تكون بحجب المعرفة أو رفض النقد. بل بتوفير المعلومة الصحيحة في توقيتها وبناء إعلام مسؤول ومؤسسات قادرة على التواصل وحماية بياناتها. كما تكون بتعليم يصنع إنسانًا يحلل قبل أن يحكم ويتحقق قبل أن ينشر ويميز بين نقد يقصد الإصلاح وتضليل يستهدف إسقاط الثقة.
فكما احتاج عبور القناة إلى مقاتل مدرب تحتاج معركة الوعي إلى مواطن واع. وكما حُميت أسرار خطة أكتوبر بالانضباط تحتاج معلومات الدولة اليوم إلى حوكمة وصلاحيات واضحة وقدرات سيبرانية متقدمة. وكما سقط وهم خط بارليف أمام المعرفة الدقيقة يجب أن تسقط الشائعة أمام الحقيقة والتحليل والمسؤولية.
إن لكل عصر خط بارليف الخاص به. فقد يكون تحديًا اقتصاديًا أو أزمة تعليمية أو فجوة تكنولوجية أو تهديدًا سيبرانيًا أو حملة تستهدف الهوية الوطنية. ورسالة أكتوبر ليست أن نقلل من حجم هذه التحديات بل أن نرفض تحويلها إلى مستحيلات. ندرسها ونستعد لها ونبني أدوات مواجهتها ثم نعبرها بإرادة الدولة وعلم مؤسساتها ووعي شعبها.
وفي ذكرى النصر نجدد العهد لقيادتنا السياسية وقواتنا المسلحة بأن نظل أوفياء لمصر ومدركين لمسؤوليتنا في حماية أمنها ووحدة شعبها وسلامة وعيها. ونجدد ثقتنا في قدرتهما على صون سيادة الوطن ومقدراته ومواجهة تحديات الحاضر واستشراف مخاطر المستقبل.
كما نجدد إيماننا بالنسيج الوطني الذي يجمع القيادة والقوات المسلحة والشعب. فهذا التماسك هو الذي صنع العبور وأسقط الشائعات قبل أن يسقط التحصينات وسيظل بإذن الله مصدر قوة مصر في كل معركة تخوضها من أجل حاضرها ومستقبل أبنائها.
لقد صنع أبناء القوات المسلحة المصرية نصر أكتوبر بدمائهم وعلمهم وشجاعتهم. ثم امتد أثر هذا النصر إلى العالم العربي فأعاد إليه عزة الروح وثقة الإرادة ورفع مكانته بين أمم العالم. فأصبح أكتوبر مجدًا مصريًا خالدًا ومصدر كرامة وفخر لكل عربي أدرك أن الاستحالة قد تكون وهمًا وأن الإرادة الواعية قادرة على تحطيمه.
وسيظل نصر أكتوبر عقيدة وطن تقول لكل جيل إن مصر حين تؤمن بحقها وتتحد وتعلم وتخطط وتعمل تستطيع أن تحطم خطوط التحدي مهما تغيرت أشكالها وأن تعبر بثقة من صناعة النصر إلى صناعة المستقبل.



