محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند” قصة صعود رشدي الصاروخية
نعود إلى دراسة «تجليات رشاد رشدي.. أو عودة الوجه القبيح» والضحية الجديدة سمير سرحان. يقول عبدالقادر إن سرحان تجاهل مسرحيات رشدي التي لقيت هجوماً شديداً، مثل «عيون بهية» التي كُتبت في تمجيد السادات، وقد أنتجتها أكاديمية الفنون حين كان رشاد رئيساً لها، وحضر السادات افتتاحها عام 1976، ويتساءل: «أما كان أولى به أن يقول رأياً في هذه الأعمال التي وصمت صاحبها إلى الأبد؟ فلماذا زاغ سمير سرحان من هذا كله؟» ويتطوع بنص تعبيره ليقدم التفسير: «إن رشاد رشدي قد مات وشبع موتاً، ولا فائدة ينتظرها من الكتابة عنه الآن، وحتى لا يبدو التفسير من عندي سأتطوّع بأن أذكّر سرحان بما كتبه حين كان رشدي في أوج صعوده في ذيل السادات وسرحان يجدُّ في الصعود في ذيل رشدي: في 74 كانت تُعرض (حبيبتي شامينا) وكان رشدي رئيس تحرير مجلة فاقت كل سابقاتها ابتذالاً وتفاهة، في تلك المجلة (الجديد.. العدد 49 بتاريخ 15 يناير 1974) كتب سمير سرحان: (ويخرج علينا الدكتور رشاد رشدي بعمل جاد وكبير من أهم وأخطر ما كُتب للمسرح المصري، يعيد إلينا الثقة في مسرحنا المصري، وفي التزامه العميق بالقيم التي كشف عنها وبلورها أكتوبر العظيم وليعيد إلينا الثقة في جمهور المسرح الذي ظلموه ومسرحيات الدكتور رشاد رشدي أًصبحت الآن بلا جدال من كلاسيكيات المسرح المصري وشامينا تضيف صرحاً جيداً جديداً إلى هذا التراث» ويسرد عبدالقادر قصة صعود رشدي الصاروخية إذ قدّم كثيراً من الخدمات للسادات جعلته مثقفاً مكيناً ومقرباً بل إنه أصبح مستشار السادات لشؤون الأدب والفن، وقد كان سمير سرحان لصيقاً برشدي في كل خطواته ونال مكافآت خاصة مع كل خدمة أو دور كان يؤديه لمعلمه، فمن عميد لمعهد الفنون المسرحية إلى مسؤول عن الثقافة الجماهيرية إلى رئيس لهيئة الكتاب.
ويقول إنه يجد شيئاً من الحرج في الوقوف أمام أرملة رشاد رشدي (ثالث زوجاته) وهي حرة في تغيير اسمها من ثريا أحمد حسن إلى ثريا رشدي لكنه ليس مجبراً أن يصدق أكاذيبها عنه، حتى لو كانت هي تصدق ما تقوله، فمثلاً تقول هي إن زوجها تسلم مسرح الحكيم وكان خراباً ينعق فيه البوم ومفهوم طبعاً أنها ستصل للقول إن رشدي الأسطورة حوله إلى أكبر منارة ثقافية في مصر ويرد عبدالقادر ببساطة: «أولى الأكاذيب أن المسرح لم يكن موجوداً أصلاً قبل أن يتولاه رشدي، بل أنشئ خصيصاً لكي يتولاه» و«وفي اليوم التالي صدر العدد الأول من مجلة المسرح يرأس تحريرها رشاد رشدي ويعمل في سكرتاريتها سمير سرحان، أما دور هذه المنارة فيعرفه كل المشتغلين الذين لم يجرفهم ميل أو هوى، إنه الإسهام في تخريب المسرح المصري»..
لطيفة الزيات طلبت الطلاق من رفيق النضال وتزوجت بأستاذها رشاد رشدي
أما قصة رشدي مع زوجته لطيفة الزيات فيقول عبدالقادر إنها مختلفة لا زيف فيها ويعتمد في قرائته على قصة «على ضوء الشموع» من مجموعتها «الشيخوخة وقصص أخرى».
بدأت لطيفة الزيات (1923-1996) حياتها السياسية في منتصف الأربعينات، وكانت من قيادات الحركة الوطنية المصرية في ذلك الوقت، وشاركت في دفع الحركة الطلابية إلى الأمام، وكانت عنواناً للنضال في مواجهة الاحتلال الإنجليزي والإقطاع، وانتُخبت كعضو بارز في اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وقادت تلك اللجنة نضال المصريين في تلك المرحلة، وصاغت برنامجاً وطنياً ملهماً لكل الحركات السياسية، وقد استرشد الضباط الأحرار بهذا البرنامج أثناء قيامهم بثورة 23 يوليو عام 1952.
وما لم يذكره فاروق عبدالقادر أن لطيفة الزيات تزوجت من أحد زملائها المناضلين، وهو الشاب أحمد شكري سالم، الذي تنفرد «أخبار الأدب» بنشر أول صورة له، وعاشا معاً حياة النضال المليئة بالألغام، والخوف، والأمل، والرغبة في التحرر، كانا يعيشان حياتهما يوماً بيوم، لا يقصّران في واجباتهما النضالية لكنهما كذلك لا ينسيان أنهما زوجان عاشا قصة حب كبيرة، مظللة برائحة بارود البوليس ومطارداته المخيفة، وحدث ما كانا يخشيانه ذات يوم. لقد قبضوا على زوجها وحبيبها أحمد شكري سالم، ليدخل السجن بتهمة شنيعة، وهي محاولة قلب نظام الحكم، كان يحدوها الأمل في خروجه، وانتظرته فترة، وقد شعر ربما بأن علاقتهما شابها الفتور، فهي امرأة لها متطلبات أيضاً، صحيح أنها مناضلة إلا أنها كذلك في احتياج ماس لتشم رائحة أنفاسه، لطالما كان قريباً منها، وبالتأكيد تفتقد ملمس جلده، حتى أنه اقتنع أو أُقنع ذات يوم بأن يقدم استعطافاً تلاه استعطاف إلى الملك فاروق يطلب العفو متعهداً بألا يعود أبداً إلى العمل السياسي، وربما كان صادقاً في ذلك، وربما كان يتحين الفرصة للقاء بحبيبته عائداً ليقدم الواجب إلى بلده، لكن الملك – كما كان متوقعاً – لم يوافق، إن هناك من ردد في ذلك التوقيت – وهذه معلومة ليست موثقة – بأن لطيفة الزيات، من شدة قسوة الحياة في غياب زوجها، هي من طلبت منه إرسال تلك الاستعطافات، وعندما يأست أخيراً من الإفراج عنه، طلبت الطلاق، وتزوجت من أستاذها رشاد رشدي عام 1952، لتستمر العلاقة بينهما حتى 1965، علاقة لم تجد نفسها فيها أبداً، هي المرأة التقدمية التي لم تعرف طوال حياتها سوى النضال لا جلسات الأنس والسهر في الفنادق المطلة على النيل، فطلبت الطلاق. كان رشدي يتملص ويرفض طلبها، وكان يقول لها بتعاليه: «أنا اللي صنعتك» ولكنها أصرّت على الطلاق كما أوضحت ذلك باستفاضة في كتابها «أوراق شخصية.. حملة تفتيش» وصبّت غضبها على تلك الحياة التي استمرت ثلاثة عشر عاماً لم تعرف فيها طعم السعادة، وقد كتبت روايتها الشهيرة «الباب المفتوح» وهي تنام مع رشدي على سرير واحد، وقد صدرت الرواية عام 1960، وتحولت إلى فيلم سينمائي، قامت ببطولته الفنانة فاتن حمامة.
فاروق عبدالقادر: لطيفة الزيات أدمنت البكاء في ظلمة المسرح والسينما والسرير
وقد حاول فاروق عبدالقادر أن يرسم صورة لتلك العلاقة التي جمعت الاثنين، وأيضاً الحياة السرية التي غرقا فيها. يكتب فاروق: «للمرة الأولى ومن وراء قناع الفن الجميل وفي ظله تتحدث لطيفة الزيات عن تلك الخبرة المعذِّبة في حياتها، ارتباطها الزوجي برشاد رشدي من منتصف الخمسينيات حتى اتخذت قرارها بالانفصال عنه، منتصف الستينيات» ثم «إن القصة تبدأ وصاحبتها في ذروة من ذرى أزمتها، فالرغبة القديمة تلح عليها للإفلات من الشقة العالية المطلة على النيل، ومن زوجها ودائرة نفوذه وهي تنطلق في رحلة مع بعض أصدقائها إلى بيت في إحدى قرى الفيوم، ترتاح هي للجماعة التي ستصحبها لأنها مختلفة عن تلك التي تتحرك في إطارها خلف زوجها، والتي تسهر في كافتيريا سميراميس وتحضر حفلات الافتتاح في المسارح والمعارض وتتناول العشاء على ضوء الشموع في المطاعم الأنيقة، عين إلى الخارج والثانية إلى الداخل، والاثنتان تعملان في تناسق وتناغم ولأن ما في الداخل هو ما يعنينا الآن فإن الكاتبة تقطع بنا رحلة أخرى تستدعي خلالها صوراً وأحداثاً وتفاصيل ومشاعر» ثم يتحدث عن روايتها «الباب المفتوح» عام 1960 وقد سألها صديق: إن مشروع الرواية يفلسف الفشل، هل تحاولين تبرير وضع لا تطيقينه؟ ويتساءل عبدالقادر: لماذا نسيت العهد الذي قطعته على نفسها بأنها لو ملكت القدرة على إكمال روايتها لواتتها القدرة على التحرر من زوجها ومن هذا البيت ومن هذا الأسلوب في الحياة؟ أتمت الرواية ونسيت – في حومة نجاحها – العهد، وبدل أن تشارك بقدر ما تستطيع في تغيير الأوضاع أدمنت البكاء في ظلمة المسرح والسينما والسرير، ويقول في نهاية مقاله «ونحن نفتح هذه الصفحة الكريهة لا من أجل الماضي بل من أجل الحاضر والمستقبل، ولعلك قد رأيت مما سبق أن رشاد رشدي لم يمت، بل لعله قد تزايد أو تكاثر… إن معارك الماضي لم تنته ما دامت تحيا في الحاضر، ولهذا يجب أن تُخاض المرة بعد المرة حتى لا تتم خسارتها إلى الأبد، نعم يجب أن تخاض المرة بعد المرة حتى لو نسينا – في غمارها – أن نذكر محاسن موتانا!».
عبدالمنعم رمضان عبيد نشر قصيدة في «الجديد»
ليست قصة لطيفة الزيات مع رشاد رشدي هي كل ما في حوزتنا عن «الجديد» ففي أحد الأعداد وجدنا اسم «عبدالمنعم رمضان عبيد» يتذيل قصيدة، ألم يكن رمضان ملماً بما يجري حوله في تلك الفترة؟ ألم يدرك فداحة أن ينشر في مجلة يرأس تحريرها رشاد رشدي؟ يقول: «في ذلك الوقت كنت طالباً بكلية التجارة جامعة عين شمس، ولم أكن أعرف أحداً في الحياة الثقافية بعد، كان رفاقي في رحلة الشعر آنذاك طلبة في الجامعة، اليسار المصري الماركسي كان له في تلك الأيام حضور قوي في الجامعة، تعرفت على بعضهم وجذبوني بشدة إلى الضفّة التي يقفون عليها، في هذه الفترة كان زميلي في الشعر بشكل مباشر محمد خلاف، وكان شاعراً جميلاً ومثقفاً أجمل لكنه استمرأ البقاء في غربته الطويلة».
ويقول رمضان إن رشاد رشدي لم يسمّ مجلته بالمعنى المطلق لكلمة «الجديد» لكن اختار هذه التسمية ليؤكد انتسابه إلى مدرسة الأدب الجديد ومنها ت. س. إليوت، ويضيف: «اليسار المصري كان ينظر إلى هذا الاتجاه بريبة كبيرة، ولعل تلامذة رشاد رشدي أكدوا موقفه واختياراته وستتأكد من هذه العبارة حينما أذكر لك أسماءهم، سمير سرحان ومحمد عناني ونهاد صليحة.. إلخ.. إلخ. لقد ظلوا دائماً على يمين الثقافة المصرية مع الشهادة للجهود العظيمة التي يقوم بها محمد عناني في الترجمة، والتي لم أستطع أن أستفيد منها أبداً. رغم أن هناك من يعتبره سيد الترجمة الأول».
لطيفة الزيات لعبدالمنعم رمضان: رشاد رشدي كان سوبرمان في الفراش!
يضيف عبدالمنعم رمضان: «كانت علاقتي بالمجلات آنذاك تقوم على المراسلات، كنت أرسل قصائدي إلى مجلات مختلفة ربما منها (الجديد)، وفي هذا التوقيت كنت قد امتلأت ثقة في أنني سأكون شاعراً، وقد ذهبت في أوائل عام 1971 إلى أحمد عبدالمعطي حجازي في مجلة روزاليوسف، وتركت معه كراسة تضم عدداً من قصائدي، وفوجئت به – بعد شهر أو أقل أو أكثر – يخصص مقاله الأسبوعي في المجلة عن شعري، تحت عنوان (نداء إلى شعراء المستقبل) وقد اختتم المقال بأنه يعتقد أنني سأضطر إلى اختصار اسمي، لا بد أن تتصور معي أن مكانة حجازي عندي في ذلك الوقت كانت كبيرة إلى حد تصديقه دائماً، وعندما صدرت مجلة (الجديد) وبعد أول عدد كتب حجازي مقالة في روزاليوسف بعنوان (قديمة يا دكتور) وقد كانت التيارات الثقافية المختلفة تنظر إلى أنشطة رشاد رشدي الثقافية بريبة كبيرة وتحسبها مفرطة في يمينيتها، ومع أنني تأثرت بهذه الرؤى والأفكار إلا أنني كنت أتمنى أن أقرأ شعري مطبوعاً في صفحات المجلات، ولم أكن قد تعودت بعدُ على المفاضلة بين المجلات، على أساس من موقفها الأيديولوجي، لذا أعتقد أنني أرسلت إلى الجديد قصيدة أو كذا، لكن ما حسم علاقتي بتلك المجلة بعد ذلك هو أن السيد الدكتور رشاد رشدي نشر مسرحية لشخص كان موجوداً في جيلي اسمه سليمان الحكيم، وقد تبيّن أنها مسروقة بالكامل، وسلوك سليمان في الحياة والثقافة فيما بعد أكد إمكانية صحة هذا الاتهام. وقد أصبحت (الجديد) في الأزمنة التالية بالنسبة لي مجلة في المكان الذي لا أريد أن أذهب إليه، ومع ذلك سافرت مع الدكتورة لطيفة الزيات إلى باريس وكنت أعتز بصداقتها، وتلك الصداقة جعلتني أتجاسر وألومها على إنكار أو استنكار زواجها من رشاد رشدي لفترة ما في حياتها، ولم ترد عليّ سوى بعبارة لا أنساها، كان سوبرمان في الفراش»!
والجملة الأخيرة لعبدالمنعم رمضان قريبة الشبه من جملة لطيفة الزيات في مذكراتها «أوراق شخصية.. حملة تفتيش». سألها أحد أساتذتها عقب الطلاق مستنكراً: «لماذا تزوجتي رشاد رشدي أصلاً؟!» فقالت: «كان أول رجل يوقظ الأنثى فيّ»!
«القاهرة» منارة غالي شكري إلى العالم العربي
صدر أول عدد من مجلة «القاهرة» الثلاثاء 5 فبراير 1985 برئاسة تحرير عبدالرحمن فهمي، وكتب افتتاحيته بعنوان «هذه المجلة» وفي جزء منها يقول: «هذا هو عددنا الأول، ولسنا من الغرور بحيث نزعم أنه النموذج الأمثل لما نريد، أو أنه قريب كل القرب مما نريد، وإنما هو خطوة أولى فحسب على طريق طويل وعر. ثم إننا نؤثر أن ندع تقييم عملنا للقارئ نفسه، فإنما إليه نتجه، ومن أجله نعمل، فهو بالحكم على عملنا أحق، وعليه أقدر. وحسبنا هنا أن نقدم إليه تصورنا لما نريد، وطريقنا إلى تحقيق هذا التصور، ليتابعنا على الدرب، ويشاركنا، كما نأمل، هذا الجهد».
صدرت المجلة في البداية أسبوعياً حتى العدد 57 بتاريخ 4 مارس 1987، ثم صارت شهرية بدءاً من العدد 58 وكانت تصدر يوم 15 من كل شهر، في 15 نوفمبر 1986 (العدد 65) تولى رئاسة تحريرها د.إبراهيم حمادة. توقفت منذ أبريل 1991 (العدد 115) وأعيد إصدارها في مايو 1992 (العدد 116) برئاسة تحرير غالي شكري.
وهذه المجلة ربما الأهم في تاريخ المجلات الثقافية والفكرية المصرية، فقد تصدّت لكل القضايا الحسّاسة، وخصصت – على سبيل المثال – عدداً كاملاً عن الدكتور طه حسين، لمناقشة كتابه الذي أثار زوابع لم تهدأ لسنوات «في الشعر الجاهلي»، كما خصصت عدداً كاملاً عن معركة الدكتور نصر حامد أبوزيد، تصدرته صورته مع رفيقة دربه ابتهال يونس وتضمّن العدد معظم الوثائق التي تخصّ معركته مع خصوم التنوير، وكذلك أصدرت عدداً كاملاً عن الفنان شادي عبد السلام، ونشرت فيه سيناريو وحوار فيلمه «المومياء». ونشرت المجلة مسرحية «محاكمة إيزيس» للدكتور لويس عوض، وأثارت ذعراً بين القوميين، لأنها تتحيّز للهوّية المصرية بشدة، وتعتبر أن العروبة دخيلة عليها، ولم يمتنع غالي شكري عن نشر ردود وتعقيبات ومقالات لمن يخالفهم الرأي في تلك القضية، وعامة استطاع أن يضفي جانباً صحفياً على المجلة، ودخلت «القاهرة» في منافسة جميلة مع «فصول» التي كان يرأس تحريرها الدكتور جابر عصفور، وفي الوقت الذي أعدّ فيه عصفور عدداً كاملاً عن الشاعر السوري أدونيس، أعدّت «القاهرة» عدداً كاملاً عن محمود درويش.
اشتبكت «القاهرة» مع كل المناطق الحرجة في الثقافة المصرية، وكما كتبت عن نصر أبو زيد وطه حسين وشادي عبد السلام، صدّرت عدداً قبل ذلك بسؤال: «من قتل فرج فودة؟»، وتابعت القضية بحماس بالغ، كان غالي شكري يسأل معاونيه وأصدقاءه: ما الذي يمكن أن نفعله؟
يقول شعبان يوسف: «تشاء الأقدار أن تداهم الدكتور غالي جلطة عنيفة، ويرتبك طاقم المجلة، ويسعى كثيرون لقتله على سرير المرض، بمحاولة القفز على كرسيّه، وأشهد أن الشاعر مهدي مصطفى قاتل ليظلّ مقعده شاغراً في انتظاره حتى يعود بالسلامة، وكان أكثر الساعين إلى مقعد غالي شكري الناقد عبد الرحمن أبو عوف، كان يجري اتصالات مكثفة مع الدكتور سمير سرحان، رئيس هيئة الكتاب وقتها، وقد صدر له قرار بتكليفه نائباً لرئيس تحرير القاهرة»، ويضيف: «وفي أزمة غالي شكري سعى – بشكل لافت وعنيف – إلى أن يصدر له قرار برئاسة التحرير، وكان الصراع على أشدّه بينه من ناحية، وبين مهدي مصطفى ومن معه، وأتذكر الآن أن الشاعر كريم عبد السلام، سكرتير التحرير، أخذ جانب أبوعوف، خاصة بعد تردد إشاعة قوية بأنه على مشارف أن يجلس على مقعد غالي شكري، لكن لم يحدث أي شيء، لا عبدالرحمن أبوعوف أصبح رئيساً للتحرير، ولا كريم عبدالسلام ربح شيئاً من موقفه، ولا المجلة استمرت. فقط صدر عدد بائس وحيد منها في غياب غالي شكري، وتحت إشراف نائبه أبوعوف، وبعد موتها بقليل عادت المجلة لتصدر كجريدة، يترأس تحريرها الكاتب اليساري صلاح عيسى».
الشاهد الثامن مهدي مصطفى: بهاء طاهر وصلاح فضل وأنيس منصور كانوا مطروحين لرئاسة تحرير «القاهرة»
أهمية شهادة مهدي مصطفى أنه عمل في سكرتارية تحرير المجلة ثم أصبح مديراً لتحريرها مع عبده جبير، وهو يرى أن ذلك الصراع الذي جرى أثناء مرض الدكتور غالي شكري أمر لا يستحق الذكر، إذ أنه لم يستمر لفترة طويلة، كما أن هناك مخططاً آخر كان مقرراً للمجلة منذ زمن، مخطط أكبر من كل ما يتردد عن سعي أبوعوف وغيره لرئاسة التحرير. يقول: «كان عبدالرحمن أبوعوف يتعامل معنا من الخارج، وبعد فترة اقترحت على الدكتور غالي إنشاء هيئة للتحرير فوافق، ومن بين الأسماء التي اقترحتها كان أبوعوف، والحق أنه كان الأكثر انتظاماً في تلك الهيئة على الحضور والانخراط في العمل»، ويضيف: «لكن بعيداً عن هذه القصة كان هناك مخطط للمجلة كما ذكرت، إذ أنها الوحيدة التي تملك ترخيصاً من الخارج، أي يمكن تحويلها إلى جريدة كما أراد الوزير فاروق حسني. لم يكن ذلك ممكناً مع مجلة أخرى، لأن معظم المجلات كانت تصدر بالإخطار. كان المخطط حتى قبل مجيء غالي شكري، وقد طُرحت أسماء كتّاب ونقاد لرئاسة تحرير الجريدة المنتظرة ومنهم بهاء طاهر، وصلاح فضل، وأنيس منصور، غير أن ما كان يعوق عملية التنفيذ أن الدكتور غالي تسبب في إحراج الجميع بتلك الانفجارة التي صنعها بالمجلة. كانت شيئاً عظيماً في واقع راكد، وشهد لها الجميع، وكان من المحرج ومن الصعب كذلك التخلص من الدكتورغالي، لكن المرض جاء لينهي كل شيء».
أسامة عفيفي بعد عظماء.. وأول افتتاحية للشعر كتبها عبدالقادر القط
لا يمكن مناقشة التحولات التي جرت لجميع المجلات، إذ أن بعضها لم يدخل في إطار معارك الطابق الأول من «1117 كورنيش النيل» كما لا يمكن عرض تاريخ كل المجلات وبعضها لا يزال يصدر، لكنه يصدر ميتاً، وبالتالي سنتعرض في عجالة لبعض المجلات المهمة في إشارات وسنبدأ بـ«المجلة».
صدر أول عدد منها في يناير 1957 تحت شعار «سجل الثقافة الرفيعة» برئاسة تحرير د.محمد عوض محمد، وكان مقر إدارتها 5 شارع شريف باشا، وفي العدد ١٥بتاريخ مارس ١٩٦٨ انتقلت إلى ٦٨ شارع قصر العيني ومع تولي د.علي الراعي انتقلت إلى 27 شارع عبدالخالق ثروت وقد ظلت في هذا العنوان حتى العدد ١٢٨ وابتداء من العدد ١٢٩ امتنعت عن نشر العنوان وفي فترة أخرى توقفت ثم عادت، لتستقر في 1117 كورنيش النيل. لم يكتب عوض افتتاحية، وإنما جاء الموضوع الأول مباشرة بقلم الوزير فتحي رضوان تحت عنوان «قناة السويس بين التأميم والتدويل»، وفي العدد الثاني جاءت افتتاحيته أشبه بدراسة عنوانها «العدوان الثلاثي وعواقبه» بعد أسابيع من تحرير بورسعيد وجلاء القوات المحتلة عن أرض مصر. بدءاً من العدد التاسع في سبتمبر 1957 رأس تحريرها د.حسين فوزي، وجاءت افتتاحية العدد في خمس صفحات بدون توقيع، عنوانها «أهازيج النصر» أتبعها د.حسين فوزي بموضوع طويل عنوانه «الجمعة الحزينة.. عن ابن إياس». منذ العدد العاشر أصبحت الافتتاحية بعنوان «الحق أقول لك» بدون توقيع، وفي ذلك العدد تنتهي بالفقرة التالية: «الأعمال الفنية، مقضي عليها ألا تنتفع بألسنة التراجمة والأدلاء ولا بأقلام الشارحين والمبسطين، إنها ترجمان نفسها، تتحدث عن نفسها بلغتها الخاصة، ومصطلحاتها الخاصة، فإن فهمنا عنها فبها ونعمت، وإلا فسيأتي الألوف والملايين بعدنا، سيقرءون فيعجبون، وسيقرءون فيغضبون، وسيقرءون فلا يرتفعون إلى مراتب الإعجاب، ولا يهبطون إلى دركات الغضب، ثم سيأتي من بعدهم، ومن بعدهم، والعمل الفني يتجدد، ويبقى، ويفهم ويغمض، ويظهر ويختفي، ويحب ويكره… رافضاً طوال الوقت أن يشرحه شارح. وإن كان سيلهم أو يوهم الكثيرين بأنهم قادرون على شرحه وكشف غوامضه، وتجلية خوافيه.. هذه (أزيمة) أدبية إن شئت، أو أزمة كبيرة إن أردت، ولكنها في رأيي من حقائق الحياة الفكرية الذهنية، لا فرار منها، ولا محيص عنها».
تولى د.علي الراعي رئاسة تحرير المجلة بدءاً من العدد 27 بتاريخ مارس 1959، وفي مستهل كلمته كتب: «في الأعداد القادمة من (المجلة) سنسعى إلى زيادة ربطها بجمهور القراء، وسنحاول أن نصل بها إلى فئات جديدة من المثقفين وطالبي الثقافة، دون أية تضحية بمستوى المجلة الرفيع الحالي. وفي هذا السبيل، سنضيف أبواباً جديدة».
ظلت المجلة محتفظة بشكل واحد للغلاف حتى مايو 1960، لم يتغير خلال تلك المدة غير مرة واحدة في يناير 1960، ثم عاد هذا الشكل الجديد في يونيو 1960 مع العدد 42 واستمر، بأن توضع صورة مختلفة كل عدد في مربع تحت اسم المجلة، مع ذكر تعليق لها ووضع التاريخ ورقم العدد على الغلاف.
تولى يحيى حقي رئاسة تحرير المجلة بدءاً من العدد 64 في مايو 1962، وكتب في كلمته الافتتاحية: «قد تتبدل الأيدي على (المجلة) ولكن أغراضها تظل ثابتة، تزكية القارئ للانضمام إلى ناد عالمي يفتح أبوابه لجميع الأجناس، يأتيه كل عضو متواضع بخير كنوز أمته ولغته، ومن جماع الأنصبة ينشأ رصيد يتقاسمه الكل باعتزاز، وبهذا يستحل المعطي أن يأخذ. جميع الأعضاء غير منشغلين إلا بقضايا الفكر وحدها، إنهم يهيمون بإشاعة العدل والسلام والإخاء والجمال والفضيلة والاستقامة، ومحاربة الفتنة والشر والدمامة والاعوجاج والظلم، وبأن يكون كل عضو مثالاً للإنسان المتحضر الحديث في علمه وأدبه وفنه وذوقه وسماحته، هذا هو المنهج الذي عمل له فتحي رضوان، ومحمد عوض محمد، وحسين فوزي، وعلي الراعي، وكل من آزرهم، والذي من أجله لا تزال (المجلة) تصدر برعاية القائمين اليوم بأمرها، وعلى رأسهم الوزير الأديب ثروت عكاشة، الواقفين عليها أقصى جهودهم، تحقيقا للرغبات الشريفة التي تملأ قلوب مواطنيهم في تطلعهم لمستقبل جدير بأمتهم. (المجلة) أمانة في عنق المثقفين من العرب جميعاً، هيهات لها أن تحقق رسالتها إذا لم تفز منهم بالعطف والتأييد والحرص على ألا تنزل عن مستواها الرفيع، وهي تتقبل شاكرة كل رأي ونصيحة وتحث كل قادر في الأمة على أن يمنحها خير ما عنده».
حمل العدد 91 صفة «ممتاز» على الغلاف بتاريخ يوليو 1964، وبدءاً من العدد 168 في ديسمبر 1970 تولى د. عبد القادر القط رئاسة تحرير المجلة، في ظل وجود د. سهير القلماوي رئيساً لمجلس الإدارة. ولم يكتب افتتاحية، وإنما جاء الموضوع الأول بعنوان «الثقافة طريق السلام» للدكتور ثروت عكاشة.
وقد ماتت المجلة وأعاد الدكتور أحمد مجاهد إحياءها، واختار لذلك أسامة عفيفي، لكن مطالعة الأعداد تحت رئاسة تحريره تكشف عن مدى التراجع الذي وصلت إليه، وهكذا لم تكن نوايا الدكتور مجاهد الطيّبة وحدها كافية لإعادتها إلى عصرها الذهبي، عصر علي الراعي ويحيى حقي.
وقد تعرّضنا في أزمة مجلة «الكاتب» لمجلة «الشعر» ورؤساء تحريرها المتعاقبين بدءاً من الدكتور عبدالقادر القط مروراً بصلاح عبدالصبور (لمدة عدد واحد) وانتهاء بفارس خضر، لكن من اللازم الإشارة إلى افتتاحية أول عدد صدر عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي في يناير 1964، فقد كتبها القط كأنها «مانيفيستو» تحت عنوان «هذه المجلة» في ثماني صفحات متحدثاً عن أزمة الشعر: «إن صدور مجلة للشعر لا يعد ثمرة طيّبة فحسب، من تلك الثمار الكثيرة الطيبة التي تقدمها وزارة الثقافة إلى حياتنا الأدبية والفنية، ولكنه إلى جانب ذلك يبشّر بنهضة كبيرة لهذا الفن الرفيع تردّ إليه بعض ما كان له من مكانة مرموقة في مجتمعنا العربي، وتتيح للشعراء أن تصل أصواتهم في يسر إلى دائرة أوسع من القرّاء بعد أن ضاقت هذه الدائرة في السنوات الأخيرة حتى أحسّ الناس أن الشعر يعاني لدينا أزمة حقيقية لا بد لها من حل. والحق أن الشعر في العالم أجمع يعاني شيئاً من هذه الأزمة لأسباب كثيرة تتصل بطابع الحضارة والثقافة في العصر الحديث، ولكن أزمته عندنا تتخذ صورة حادة لا تتأثر بتلك الأسباب العالمية وحدها بل تتحكم فيها عوامل محلية أخرى يقوم أغلبها على فهم غير صحيح لبعض قضايا الأدب والفن».
قرابة 25 ألف كلمة – وكان يمكن أن تتضاعف – وجدناها جميعاً في انتظارنا وراء باب شقة في بناية، في شارع من شوارع مدينة واحدة، من مدن مصر. ولا شك أن تحت كل حجر في مصر، ووراء كل باب، وربما في ظلّ كل شجرة تاريخاً ينتظر من يُدوّنه أو يبدأ تدوينه، منتظراً جهود آخرين لتكمل ما بدأه. ربما في اللحظة التي فتحت فيها باب «1117 كورنيش النيل» أكون قد فتحت باباً على التاريخ، بشخصياته، وأشباحه، وعمالقته، وأقزامه، ومجلاته، وأشباه مجلاته، ومعاركه، ومناوشاته، لكن ليس بيدي إغلاقه، فأبواب التاريخ تُفتح لتبقى مفتوحة..








