محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند” متسائلاً في النهاية: «أعرفتم الآن من ذلك الشاعر المائل الرأس؟!»
لا يتذكر محمد محمد الشهاوي بالضبط العام الذي قابل فيه صلاح عبدالصبور، وهل كان أثناء رئاسته لتحرير مجلة «الشعر»، وهي فترة لم تدم سوى عدد واحد، أم لا، ولكنه متأكد من أن اللقاء كان قبل 72، لأن مجلة «سنابل» توقفت في هذا العام، وقد جاء إلى القاهرة لزيارة عبدالصبور في مكتبه على كورنيش النيل، إذ كان قد تناول قصيدتين له نشرتهما «سنابل» في إذاعة «البرنامج الثاني» – البرنامج الثقافي حالياً – متنبئاً له بأنه سيكون شاعراً كبيراً، ونظراً لوفاة محمد يوسف وحسن النجار يقول الشهاوي: «لا أستطيع أن أتحدث بضمير الجماعة الآن، ولكنني سأتحدث كرجل وحيد يعترف بخطأه، سأعترف بصوت عال، وأنا الآن رجل في الثمانين، أنني أخطأت في حق عبدالصبور، وأنا نادم، جد نادم ولحسن الحظ أنك لحقتني قبل أن أموت».
يحكي الشهاوي: «كنت مسؤولاً عن مهرجان شعري أقمناه في كفر الشيخ، ودعونا إليه معظم الأسماء الكبيرة، كان هناك حلمي سالم، وعفيفي مطر، ومحمد يوسف وحسن النجار، وكذلك الصحفي محسن الخياط ، أنا لم أكتب البيان، ولكن الجميع شارك في كتابته، كان أحدهم يقترح جملة، ويتدخل الآخر لحذف كلمة أو إضافة كلمة أخرى، وهكذا، وقد وافقت على التوقيع تحت ضغط اللحظة الانفعالية، وذهب الضيوف ليبيتوا ليلتهم في استراحة المحافظة، وذهبت إلى بيتي، لكني لم أنم، وفي الفجر قررت أن أذهب إلى محسن الخياط الذي يحتفظ بنسخة البيان، لأطلب منه شطب توقيعي، لكنني لم أجده وأخبروني أنه سافر مباشرة بعد انتهاء اليوم الأول من المؤتمر، ولا أدري لماذا صمت بعدها!».
يذكر الشهاوي لقاءه بعبدالصبور جيداً: «هناك محطات يستحيل أن أنساها، إنني قادر على تذكر كل التفاصيل حتى لو كانت تتعلق بورقة مهملة في مكان شهد لقاء قديماً، استقبلني حسن توفيق وسألني: لماذا تأخرت كل هذا في المجيء لتشكر الرجل؟ المهم أنني خطوت إلى مكتبه في هيئة الكتاب فوجدته يستقبلني بحفاوة بالغة وبابتسامة عظيمة، وحدثني مجدداً عما أكتبه، ثم سألني فجأة عن رأيي في شعره، تخيل؟! وقلت له بانبهار: كان كل حلمي أن أراك، أن أرى هذا الشاعر العظيم، فكيف أسمح لنفسي بأن أقول رأياً في شعرك؟! والآن وأنا أتذكر هذا اللقاء أعلن مجدداً بعد حوالي 45 عاماً على نشر بياننا أنني أعتذر لصلاح عبدالصبور، وكنت أتمنى أن أفعل ذلك في حياته. لقد فكرت كثيراً في الذهاب إليه لأعلن ندمي بين يديه، لكنني أبيت حتى لا يظن أحد أنها محاولة لاسترضاء عبدالصبور وليست اعترافاً بالخطأ مني، لكن يا ليتني فعلت».
انتهت مقابلتي مع الشهاوي لكنه بعد فترة أعاد الاتصال بي ليضيف معلومة يعتقد أنها مهمة، وهي مهمة بالتأكيد في السياق الذي نتحدث عنه، الصراع بين عبدالصبور وعفيفي مطر: «نسيت أن أقول لك إن كتابة البيان تمت في بيت عفيفي مطر بكفر الشيخ، كل شيء تم هناك».
والمعروف طبعاً أن عفيفي مطر ولد في « رملة الأنجب» بالمنوفية، لكن هناك إشارة لابد منها لتفسير كلام محمد الشهاوي، وهي أن عفيفي مطر عُيّن مدرساً في إحدى مدارس كفر الشيخ، وبالتالي انخرط في الحياة الثقافية هناك، وأصبح رئيساً لتحرير مجلة «سنابل» منذ العدد الثاني، واكتشف كثيراً من الشعراء خلالها، وبما أن حياته ارتبطت بكفر الشيخ سكن في إحدى الشقق هناك، وهي الشقة التي يتحدث عنها الشهاوي.
حين صدر عدد مجلة «الكاتب» متضمناً إشادة صلاح عبدالصبور بقصيدته كان رفعت سلام في منتصف مدة خدمته العسكرية في سيناء، وعرف به بالصدفة، يقول: «حينما عثرت على العدد وجدت به قصيدة كنت قد أعطيتها لصلاح عبدالصبور للنشر في مجلة (الشعر) التي لم يصدر منها سوى عدد واحد، لكن علاقتي بصلاح عبدالصبور الشخصية كانت قد بدأت عام 71، فقد استقبلني في بيته بالمهندسين لأول مرة وأنا في الكلية، ولم أنشر قصيدة واحدة بعد، وقضينا ست ساعات كاملة نتحدث في شؤون الثقافة والشعر دون أن يُشعِرني للحظة واحدة بأن هناك مسافة أو فجوة بين الشاعر الكبير وهذا الطالب الصغير الذي يحبو في عالم الشعر».
في مرة تالية كان رفعت قد أخذ منه المسوّدة الأخيرة لمسرحية «بعد أن يموت الملك» قبل نشرها، وحين ذهب إلى جامعة القاهرة شارك في المظاهرات هناك، وأغلقت الجامعة وتوقفت الدراسة حوالي ثلاثة أسابيع، وعاد سلام إليه بالمخطوط – بعد شهر كامل – واعتذر له على التأخر بسبب المظاهرات وإغلاق الجامعة وفوجئ به يقول له: «لا عليك، المخطوط ليس مهماً، كنت قلقاً عليك لا عليه، فأنا أعرف أنك لا بد ستشارك في المظاهرات ولم أجد من يدلني على سلامتك، وانتظرت تحسن الأوضاع إلى أن أراك». يعقب سلام: «علاقتي به كما قلت لم تكن علاقة بين شاعر ناشئ وشاعر يمثل لي آنذاك رب الشعر الجديد، وبالتالي حين نشر القصيدة ضمن العدد الأول من مجلة الكاتب أكبرت فيه أنه احتفظ بالقصيدة حتى ذلك الحين ولم يبددها أو يهملها على مدى سنوات، كما يحدث في كثير من الحالات، ولم يكن لي أن ألومه على شيء، فلم نكن على علاقة وثيقة بمجلة (الكاتب) اليسارية آنذاك فهي مجلة فكرية بالأساس، كنا نقرأها في بعض الأحيان وليس دائماً، لأننا في منتصف النصف الأول في السبعينيات كنا منكبّين أكثر على التأسيس الشعري، ولم ندخل في هذه الحارات والأزقة والشوارع الرئيسية. نعم كنا نتابع، لكن عن بُعد، هذه التحولات، دون أن ننغمس بها، وبالنسبة لي على المستوى الشخصي لم أخرج إلى الحياة الطبيعية إلا في يناير 77، وبالتالي فقد عرفت بالصدفة عن هذا البيان المضاد لصلاح عبدالصبور، ولو كان قد عُرض عليّ آنذاك لرفضت التوقيع عليه».
وحتى لا اطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل
عرض أقل








