مقالات
حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر بين اليمين المسلم واليسار المشبوه “الحلقة الأولى
محمد عنانى
محمد عنانى
قبل الإيميل أو حتى الفاكس لم يكن أمام الكتّاب سوى لصق «طابع بريد» على خطابات تحمل قصائدهم وقصصهم وفصول رواياتهم إلى عناوين مجلاتهم، ومنها تلك المجلات المهمة التي تضمها شقّتان، آنذاك، في الطابق الأول من (1117 كورنيش النيل القاهرة)، ربما كانوا يرسلون موادهم إلى مجلة «الكاتب» ورئيس تحريرها أحمد عباس صالح، قبل أن يزيحه منها وزير الثقافة يوسف السباعي ويضع بدلاً منه صديقه صلاح عبدالصبور. ربما إلى الدكتور عبدالقادر القط أول رئيس تحرير لمجلة «الشعر»، ربما إلى رشاد رشدي رئيس تحرير مجلة «الجديد» والتابع المخلص للسباعي، ربما إلى عبدالرحمن فهمي رئيس تحرير مجلة «القاهرة»، ربما إلى رئيس تحريرها التالي الدكتور إبراهيم حمادة، وربما في زمن أحدث إلى الدكتور غالي شكري، ربما إلى رؤساء تحرير مجلة «المجلة» المتعاقبين، وليس من بينهم طبعاً الدكتور علي الراعي أو يحيى حقي إذ كان مقر المجلة في عهدهما في وسط البلد.
لا زال المكان حتى الآن يحتفظ بنفس طابعه القديم البسيط، لكنّ كثيراً من المجلات التي كانت في الصدارة اختفت. تعاقب عليها رؤساء تحرير وأنصاف رؤساء تحرير وأقزام. ومع الاضمحلال ذهبت إلى النسيان، لكن الذاكرة لا تنسى من شيّدوا الثقافة، أو من هدموها، وقد حاول بعض رؤساء هيئة الكتاب أن يعيدوا تلك المجلات إلى الحياة، لكنهم لم يخططوا للأمور، وبالتالي كانت المجلات تستيقظ لفترة قصيرة وسرعان ما تعود إلى نومها الأبدي.
لم يكن الموت مصير كل المجلات. بعضها استمر في الصدور بدون هدف، أو لملء الفراغ، وقد فقد معظمها أهميته بفقدانها الانتظام في الصدور (ضمن أسباب أخرى)، وقد تحوّلت المجلات الشهرية في أفضل الأحوال إلى فصلية وفي بعض الحالات إلى سنوية. ظل العنوان (1117 كورنيش النيل) موجوداً، لكنه فقد أهميته تقريباً، فلم يعد ذلك المكان وجهة للمثقفين، لم يعد المكان الذي تُدار منه المعارك بين اليمين واليسار، وبين المدارس الأدبية المختلفة، كما كان يجري في زمن المعارك الكبرى، زمن السبعينات، لم يعد المكان حتى وجهة لرؤساء تحرير المجلات أنفسهم.
كانت هناك بعض الأسماء الدوّارة إن جاز التعبير، وفي خلال حقبتين أو ثلاث، تنقّل معظم رؤساء التحرير من مجلة إلى أخرى، رشاد رشدي بدأ بـ«المسرح» ثم اخترعوا له «الجديد». عبدالقادر القط كان أحد الخوارق، فمن «الشعر» إلى «المسرح» إلى «المجلة» إلى «إبداع». صلاح عبدالصبور كان موجوداً في معظم ترويسات المجلات، لكنه كبر وأصبح رئيساً للتحرير، رئيساً لتحرير «الشعر» عدداً واحداً، ثم «المسرح» ثم «الكاتب»، وهكذا..
لم يكن كل رؤساء التحرير على وفاق، كان بعضهم أصدقاء شخصيين ليوسف السباعي. مثل رشاد رشدي وصلاح عبدالصبور، وبعضهم كانوا أعداء لدودين له مثل أحمد عباس صالح، والذي أصبحت أيامه معدودة في مجلة «الكاتب» بعد مجيء السباعي نفسه وزيراً للثقافة. كان أحمد عباس من ألمع أسماء اليسار، وبالتالي لم يتحمّل الوزير وجوده في مجلة تصدرها إحدى هيئاته، لكن المؤكد أن هناك زمناً ما كان كل هؤلاء يذهبون فيه إلى مكاتبهم في (1117 كورنيش النيل) وكان رشاد رشدي بالطبع هو عمدة الدار، إذ خصّصوا له أكبر غرفة هناك، بينما انزوى أحمد عباس صالح ومعه أعضاء هيئة تحرير «الكاتب» لمدة شهور في غرفة صغيرة تشبه زنزانة الحبس الانفرادي، لكنه غادرها بعد شهور، ليجلس على كرسيه صلاح عبدالصبور، استطاع الوزير يوسف السباعي أن «يطهّر» الوزارة من اليسار بحسب خطته.
ولو عدتم بالزمن إلى بداية السبعينات، سيكون المشهد مثيراً للحماسة، إذ بدأت واحدة من أشرس معارك القرن. يوسف السباعي ركل أحمد عباس صالح خارج «الكاتب» لكنه لم يستسلم، واستجار بأصدقائه في مجلة «الطليعة» اليسارية، فاستحدثوا ملحقاً لـ«الكاتب» بهيئة تحريرها القديمة، وبالتالي أصبحت هناك نسختان من المجلة، واحدة يرأس تحريرها صلاح عبدالصبور، وقد أطلق عليها اليساريون بسخرية اسم «الكاتب الأميرية»، والثانية مجرد ملحق صغير في «الطليعة» برئاسة تحرير أحمد عباس صالح.
أشعل يوسف السباعي النار باستمتاع بالغ، وبدأب استمده من قناعته بخطر اليساريين على الثقافة «الوطنية»! بينما لم يصمت اليساريون واستخدموا كل أسلحتهم في فضح الوزير وجوقته، وقد أعد إبراهيم منصور ملفاً في مجلة «الآداب» التي تصدر من بيروت رصد فيه المعركة كأنه مراسل حربي يعيش مناخ الحرب وقد نجا من كل الطلقات والدانات والألغام لينقل إلينا تلك الأجواء المشحونة، التي قلل فيها كل طرف من الآخر، واحتقره بسيل من الشتائم، حتى نفد معجم الشتائم تقريباً.
وبالطبع وبما أن صلاح عبدالصبور قبِل رئاسة تحرير «الكاتب» فقد تحوّل إلى خائن بالنسبة لليسار. كانت كلمة اليسار مسموعة في ذلك التوقيت، وحظى بتعاطف كثير من الكتّاب، لكن صلاح عبدالصبور لم يلتفت غالباً إلى ما يجري، وترك المعركة السياسية مشتعلة في الجانب الآخر من الضفة، لينشغل بمعركته هو، إذ واجه قطيعة من المثقفين، أو معظمهم، وبالتالي كانت المادة شحيحة في أدراجه، وكان عليه أن يذهب باتجاه الشباب، فليست المعركة معركتهم، وقد وجد هدفه في الأسماء التي شكّلت جيل السبعينات، ونجح في ربطهم بـ«الكاتب» وفتح لهم صفحاتها فاشتبكوا بنزق في البداية، كما فعل حسن طلب في تعليقه على ملف كتبه زملاء يصغرونه بأعوام قليلة للغاية مثل حلمي سالم وجمال القصاص، كما ترك عبدالصبور المجال لجابر عصفور الذي كان في نفس سنّهم تقريباً ليلبس ثوب الأستاذية مقللاً من شأن جميع الشعراء المصريين. كان صلاح عبدالصبور ذكياً، ترك الحرب السياسية تشتعل بعيداً عنه وصنع حربه الخاصة على صفحات «الكاتب»، لكنهم بالطبع لم يتركوه في حاله.
قصة ذلك الصراع تكشف كيف كانت الدولة تنظر إلى الثقافة وقتها، ثقافة «الاستمتاع» التي ترفض «جهامة» اليسار، وذلك الكلام الكبير الذي يردده أفراده ويكتبونه في مقالاتهم. كان السباعي يسعى لتأسيس امبراطوريته متخلصاً من كل المختلفين معه في النظر للثقافة، وكانت الحرب على أشدها. الوزير يتحدث في حوارات صحفية وكتّاب اليسار المتألمون لموقفه من «الكاتب» يسخرون منه. أحمد عباس صالح ومعه صلاح عيسى ورجاء النقاش وآخرون يظهرون كثيراً في موقف المدافعين، وكرد فعل على اتهامات كتبة الوزير وعلى رأسهم إبراهيم الورداني، لكنهم سرعان ما يحتلون مواقع الهجوم. سنتعرض بالتفصيل لهذه المعركة، وبالتالي لن نغفل أحد جوانبها، وربما سيتعيّن علينا أن نعرّج إلى بعض الحارات الجانبية، فالحرب طالت الجميع حتى من اختبأوا خلف سواتر. كل واحد انشغل بمعركته، وكل واحد استعان بأصدقائه، رشاد رشدي سلط مجلته «الجديد» للنيل من أعداء صديقه السباعي، وكذلك فعل عبدالصبور وإن كان بشكل أكثر ذكاء، كما بدا أنه ينحو بالمجلة إلى الأدب، بعد أن استثمرها اليسار في الصراع السياسي، لكن المعركة لم تهدأ واستمرت حتى التسعينات، كانت هناك رواسب، ولم ينس المشاركون في الحرب حقوقهم وحقوق أصدقائهم وجيرانهم، وإذا كان فاروق عبدالقادر على سبيل المثال قد لاحق رشاد رشدي حياً فقد لاحقه ميتاً كذلك، منكلاً به أسوأ تنكيل، لدرجة جعلته يخلط بين النقد وبين النميمة التي تخطّت رشاد إلى زوجته لطيفة الزيات.
سنبدأ من «الكاتب» حيث بداية الحرب بين الطرفين، وسننتهي بتلك المجلات الضعيفة التي قتلها رؤساء الهيئة المتعاقبون، سنبدأ من خطة السباعي لوأد أي صوت مختلف، وسنرى كم احتاج من وقت لينجح في تسييد الصوت الواحد. سنبدأ من الحرب لكننا لن ننسى هؤلاء الشهود الذين قد يعتذرون عن خطايا ارتكبوها. سنعود إلى الماضي لنفهم تلك الحسابات التي كانت مجرد «نميمة مثقفين» في الحاضر، مثل الصراع بين صلاح عبدالصبور وعفيفي مطر، سنعود إلى الماضي لنحاول أن نفهم على أي مسافة – بالضبط – نقف الآن من 1117 كورنيش النيل؟
في عدد نوفمبر 1974 أعلنت مجلة «الكاتب الأميرية» التي تُصدرها وزارة الثقافة أنها ستواصل مسيرتها التقدّمية برئاسة تحرير الشاعر صلاح عبدالصبور، الموظف بالهيئة العامة للكتاب. كان صلاح عبدالصبور اسماً لا غبار عليه بالنسبة لغالبية المثقفين، واختياراً ذكياً من وزير الثقافة، يوسف السباعي، المعروف بكراهيته لليسار، فقد راهن على إسكات المعارضين به، بعد معركة طويلة، بين كتّاب اليسار، وفي مقدمتهم رئيس تحرير المجلة المستبعد أحمد عباس صالح، وبين اليمين الذي يقوده السباعي.
كان صلاح عبدالصبور أشبه بلاعب احتياطي حرّيف، توقّع السباعي ألا تعترض الجماهير على نزوله بدلاً من نجم الفريق، لكن الدنيا قامت ولم تقعد حرفياً، بل إن المعركة ازدادت ضراوة، ولم يعد مفهوماً فيها ما السياسي، وما الثقافي، وما الفني، وأُطلقت نيران الاتهامات بالعمالة والتخوين من جانب اليمين، بينما كان اليساريون يحاولون إثبات تحضّرهم من خلال المقدمات البرّاقة لمقالاتهم وردودهم على ما يثيره الوزير وجوقته في مجلّاتهم، أو مجلات الدولة التي تعاملوا معها كأنها ملكية خاصة، غير أن كتّاب اليسار، كذلك، ارتكبوا خطيئة التشنيع، والحطّ من قدر الأفراد في معسكر اليمين، إذ أن أقل ما كانوا يوصمونهم به هو الجهل والانحطاط والسفه، وبالتالي تحوّلت الأمور إلى حرب بين أخويّتيْن.
كما أن هذه اللحظة، لحظة قبول صلاح عبدالصبور بالمهمّة، شكّلت بداية خسارة كبيرة له، وانتهت – مع الأسف الشديد – بقصة رحيله في ليلة شديدة الحرارة من أيام أغسطس 1981، بعد جملة بهجت عثمان: «انت بعت رخيص يا صلاح»، وأياً كان ما جرى في تلك الليلة، وهذا ما لا ينشغل به التحقيق، فقد جرى بعد استضافته إسرائيل في معرض الكتاب. كان رئيس الهيئة الوحيد الذي قبِل بذلك، فلا رئيس قبله، ولا رئيس بعده، جرؤ على مخالفة الإجماع الشعبي على المقاطعة، كان عبدالصبور على ما يبدو يحاول النأي بنفسه عن الصراع السياسي، متخفياً خلف أقنعة لكن هناك دائماً بعض الزلات، كما وجد من يجرّه – بالرغم عنه – إلى هذا الصراع، كان عبدالصبور في بداياته – ربما – ساخطاً على الزعيم جمال عبدالناصر، وقد كتب قصيدته «عودة ذي الوجه الكئيب» في مايو عام 54، بعد الإطاحة بمحمد نجيب أي بعد عامين من ثورة يوليو، وهناك من قال إن العنوان الساخر الحاد يستهدف ناصر، وقد أصدر ديوانه «الناس في بلادي» عام 57 عن دار «الآداب» متضمناً تلك القصيدة، وكان اليمين يرى في تلك الدار ومجلتها محرّضاً على الأوضاع المصرية، رغم انتصارها لثورة يوليو في الخمسينات، وبالتالي بدأ الكلام يتردد مرة أخرى عن تجنّي عبدالصبور على الزعيم وسخريته منه، لكن يبدو أنه – بعد أن صار واحداً من أشد المؤمنين بالناصرية – حذف القصيدة بنفسه من الطبعة الثانية التي أصدرتها دار «المعرفة» المصرية 1962 بمقدمة بدر الديب نفسها.
وقد نسى اليساريون صداقتهم لعبدالصبور، إذ بات كل طرف يبحث عن مصلحته، وقد كان عبد الصبور، يعلم بالتأكيد، أن النار ستشتعل، لكنه لم يعلم أنها لن تخبو لفترة طويلة. لقد حوّل عبدالصبور «الكاتب» إلى مجلة تنشغل بالأدب، ولجأ إلى زيادة مساحة النصوص، وقد كانت في عهد أحمد عباس صالح منبراً للفكر، ونافذة على ما يجري في العالم الذي يتّسع باطّراد، كانت مجلة تسمح بتنوع الآراء، وبتفنيد وجهات النظر الأخرى، وكانت القضية في ظاهرها سياسية بين كتلتي اليمين واليسار، لكن الأمر تحول إلى معركة ثقافية بين الوزير واليسار، وكان لكل طرف وجهة نظره، وقد حاول السباعي أن يبدو مهذباً وراقياً في إطلالاته، وصاحب أفكار وطموحات، لكنه أطلق تابعيه مثل إبراهيم الورداني، في الصحف والمجلات ومنها «الثقافة» التي رأس الوزير نفسه تحريرها، و«الجديد» التي رأس تحريرها رشاد رشدي، ثم إنهم لم يتركوا منبراً حتى علّقوا فيه. كانوا يظهرون بمشاعلهم، ثم يلقونها في وجوه معارضيهم، وقد أشاعوا أن الثقافة لا تهمّ اليساريين في شيء، وأنهم يبحثون عن إشاعة الفوضى، ويكرهون الوطن، واستخدموا في معركتهم أقذع الألفاظ وأحطّ الشتائم، وانتهى الأمر إلى إلحاق الضرر بالكتّاب فعلاً، حيث زُج بمعظمهم – خلال أوقات لاحقة – في المعتقلات.
عرض أقل






