مقالات
كيف خدع القمني المسلمين؟ الحلقه الثالثة والثلاثون تفكيك الملحدين ” عهد التزوير الثقافي في مصر؟
محمد عنانى

محمد عنانى
الثقافةُ المُزوَّرة هي التي تستحضر من التاريخِ عواملَ بقاءِ الاستبدادِ، أياً كان مصدرُه وتحت أي شعارٍ جاء؛ فهي تتمسّك بالتاريخِ بكل أوزاره لتستعيدَ الخصوماتِ وتُشعلَ الأحقادَ عبر تضخيمِ المؤامراتِ التي تستهدفُ “الذات”. كما أنها تستدعي شهاداتٍ وتأويلاتٍ لا تعدو كونها تمجيداً متواصلاً لهذه الذات، دون أن تُقدّم رؤيةً نقديةً أو كشفاً حقيقياً.
تستقي هذه الثقافةُ حضورَها من الماضي وتُحجم عن قراءةِ المستقبل؛ فكم من باطلٍ استهلكت في ذكرهِ الأسماعُ، وهو باطلٌ لا يساوي شيئاً إذا ما قورن بباطلٍ أكبر يُتغاضى عنه، بل ويُدافع أحياناً عن البنيةِ المُؤسِّسةِ له.
فتلك الثقافةُ المصطنعة: هي مشروع يُفرض على المجتمعات بهدف إعادة تشكيل وعيها وسلخها عن جذورها التاريخية الحقيقية. يتم تنفيذ هذا المخطط عبر عدة أدوات، أبرزها الإغراق المعلوماتي، المزور و سرقة التراث، والتلاعب بالمصطلحات. والهدف النهائي هو خلق هوية جديدة لا أساس لها من الصحة، تخدم أجندات معينة.
لم تكن الثقافة في مصر سوى ملكية خاصة تحت وصاية وزير تولى حقيبتها منذ عام 1987 وحتى عام 2011. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، ظلت وزارة الثقافة رهينةً لذلك الوزير وصديقه الكاتب الذي كان مدللاً في عهد السادات؛ تماماً كما كان الوزير فاروق حسني -المعادي للإسلام- مدللاً في عهد حسني مبارك، إلى جانب الكاتب أنيس منصور الذي برع في التلون مع كل العهود، ومجاراة التحولات السياسية كما فعل في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك.
أوكل الرئيس السادات إلى أنيس منصور الإشراف على المشروع المزعوم بالثقافة في مصر، فأسس منصور عدداً من الصحف والمجلات وأدار تحريرها. واستعان أنيس منصور بصلاح عيسى ليتولى إدارة “الكتاب” ومجلة “الثقافة الوطنية” و”الأهالي”، كما ترأس عيسى لاحقاً جريدة “القاهرة” الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية بتكليف من فاروق حسنى وبدعم من أنيس منصور ، بعد أن حوّلها الوزير آنذاك فاروق حسني من مجلة دورية إلى صحيفة ثقافية أسبوعية. فضلاً عن ذلك، عُيّن صلاح عيسى وكيلاً لنقابة الصحفيين وعضواً في مجلس إدارتها خلال التسعينيات، وكُلّفه أيضاً بشغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة.
جمعت أنيس منصور وفاروق حسني علاقة صداقة وزيارات متبادلة؛ وقد كتب أنيس منصور: “كنا في بيت الفنان فاروق حسني وزير الثقافة”، وهي عبارة غير دقيقة، فالمكان ليس بيتاً، بل قصراً يزدان كل ركن فيه بالجمال، بدءاً من الأبواب والنوافذ والسلالم والجدران والأرضيات، وصولاً إلى الحديقة المطلة على نهر النيل. وإذا كان قصر فاروق حسني هو “الجنة”، فإن الطريق إليه هو “الجحيم”. بيد أن أنيس منصور لم يصف هذا القصر الذي تجاوز في بنائه القوانين والقرارات المتعلقة بالتعدي على النيل، كما ذكرتُ في الحلقات السابقة من هذه السلسلة.
في ذلك التوقيت، عيَّن وزير الثقافة فاروق حسني، أنيس منصور رئيساً للجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة؛ وذلك لإحكام السيطرة على مفاصل الوزارة التي أصبحت بمثابة ملكية خاصة ووسية له وأطلق على منصور فيلسوف الفقراء أنيس منصور ..
لك أن تتأمل محطات الانهيار الثقافي في مصر، والواقع المرير الذي عايشناه طوال سنوات عجاف مرت على وزارة الثقافة، التي بات “أنيس منصور” يديرها من الباطن كوزير مشترك. لقد عُزل أنيس منصور من الجامعة عقب اكتشاف أنه ليس عضواً في هيئة التدريس، وأنه عُيّن مدرساً للفلسفة عن طريق التلاعب؛ إذ لم يكن أستاذاً جامعياً، بل صعد إلى منصبه بالتزوير والنفوذ. وحين تكشفت الفضيحة، لم يصدر قرار تعيينٍ له ولا قرار عزل، بل ساد الصمت التام تجنباً للحديث في هذه المنطقة الشائكة التي قد تتدخل فيها السياسات، فيُكيل مَن يجرؤ على الخوض فيها الاتهامات أو يتعرض للتنكيل.
وعقب ذلك، راح أنيس منصور يكتب مهاجماً الأديان، وشنَّ هجوماً عنيفاً على اليهودية؛ لعلمه بتوجهات الرئيس الجديد السادات، فكافأه الأخير بتعيينه رئيساً لمجلس إدارة «أخبار اليوم»، ثم فتح له الآفاق الثقافية في مصر، ليصبح أول صحفي يصل إلى هذه المكانة، ويحظى بصداقة رئيس دولة أطلق له العنان دون قيود.
لتشهد الساحة الثقافية حالة من الاختطاف والتزوير الباهت بتعارف سيد القمني على أنيس منصور وفاروق حسني، ويقع تحت حمايتهم ليتخذ الطريق نحو عالم الثقافة المكذوبة على يد أنيس منصور الذي وصفه الدكتور محمد الباز في مقالات عديدة، أهمها مقال بعنوان “أنيس منصور إله العجوة”. وفي متن المقال “ما الجديد الذي يمكن أن أقوله الآن عن أنيس منصور… الكاتب الذي عاش 87 عاماً، قضى منها ما يزيد على 60 عاماً في عالم الصحافة والفلسفة والأدب والسياسة؟ ما الذي يمكن أن أضيفه عن كاتب اختار أن يكتب عن نفسه والآخرين كلَّ وأيَّ شيء؟ ما الذي يمكن أن نكتشفه عن صحفي كاشف وفاضح ومعترف على نفسه والآخرين، عبر عصور سياسية وأزمنة اجتماعية ومحطات ثقافية ومعارك فكرية ومناوشات فنية وأخلاقية، كان شاهداً عليها ومتورطاً فيها وجانياً في الكثير منها؟ في هذا الكتاب محاولات جادة للإجابة عن كل هذه الأسئلة من خلال تفكيك ما انعقد.. وفتح ما انغلق.. وتبديد ما تجمَّع.. وتجميع ما تبدد.
في سلسلة من المقالات، عمد الباز إلى ما أسماه “تفكيك إله العجوة أنيس منصور”؛ إذ رصد مسيرته منذ بدايتها وحتى وفاته، مبيناً تقلُّبه بين العهود، من عبد الناصر إلى السادات ثم مبارك، كاشفاً عن اعتماده نهجاً معارضاً في عهد عبد الناصر، وموالياً في عهد السادات، ومتباهياً في عهد حسني مبارك.
في سلسلة مقالات بعنوان «تفكيك إله العجوة»، رصد محمد الباز مسيرة أنيس منصور منذ بدايته وحتى رحيله، كاشفاً عن تلوّنه السياسي عبر العهود المختلفة؛ إذ يرى الباز فيه أحد أكبر «ناشري الخرافة» في الثقافة المصرية، مشيراً إلى انقلابه على عبد الناصر ومبارك، بينما ظل مخلصاً للسادات لأنه نال منه ما أراد. كما يخلص الباز إلى أن هجوم منصور على المرأة كان مدفوعاً برغبته في البقاء تحت «دائرة الضوء»، واصفاً علاقته بالدين بـ «الغامضة والمرتبكة».
ويواصل الباز وهنا يطرح التساؤل نفسه: ما الجديد الذي يمكن قوله عن كاتبٍ اختار أن يكتب عن نفسه وعن الآخرين كل شيء؟ وما الذي يمكن كشفه عن صحفيٍّ كان شاهداً على عصور سياسية وأزمنة اجتماعية، ومتورطاً فيها، بل وضحية لبعضها، وهو الذي اعتاد أن يكتب بجرأة وفضحٍ لكل ما يحيط به؟
ويواصل الباز قائلا كان العقاد يعلم أن أنيس منصور أصدر كتابه الأول عن الوجودية عام 1957 حين كان في السابعة والعشرين وصف مؤسس الجماعة بـ«الثائر» الذي تسلل إلى قلب المرشد الأول بـ«هدوء ومكر»، فكلفه بالعمل في المساجد والإشراف على مكتبة الجماعة في إمبابة، وسط روايات متضاربة حول انضمامه لـ«الإرهابية» وخروجه منها.
يعود أنيس إلى صالون العقاد ويقول: «لقد عرف العقاد أنني من جماعة الإخوان في إمبابة، فأصبحتُ هدفاً لرصاصتين انطلقتا في وقت واحد، وكان عليّ أن أرد بسرعة: كيف أوفق بين الشيخ حسن البنا والفلاسفة الوجوديين، مؤمنين كانوا أو ملحدين؟ وما الذي أجده في الإخوان مكملاً للوجودية؟ أو ما الذي أجده في الوجودية متماشياً مع الإخوان المسلمين؟».
وقبل أن ينطق أنيس بما يخرجه من ورطته، بادره العقاد قائلاً: «لا بد أنك وجدت رابطاً بين البنا والبدوي وعوض؛ ضع ثلاثتهم متجاورين، ثم قِف بعيداً عنهم واحكم عليهم؛ هنا فقط ستجد أن نظرية لومبروزو في الشذوذ صحيحة مائة في المائة». وحتى لا اطيل عليكم نكمل في الحلقة القادمة الرحلة مع اكبر ملحد في العالم العربي خدع المسلمين ونرجو لمن يهتم بالأمر التعليق بأكمل ومشاركة المقال الكاشف للحقائق في عهد الثقافة المزورة






