
بقلم: رامي لبيب علم الدين
شركة المصريون بالخارج من يحمي القضية من المتسلقين وراكبي الموجة؟ لم تعد أزمة المصريين بالخارج أزمة خدمات قنصلية أو أوراق ثبوتية أو رسوم مبالغ فيها فقط، بل أصبحت أزمة إدارة ملف كامل ظل لعقود طويلة يتحرك بين الوزارات والوعود واللجان دون أن يصل إلى نقطة استقرار حقيقية تحفظ للمصري بالخارج حقوقه وتمنحه شعورًا بأنه شريك أصيل في وطنه، لا مجرد رقم في كشوف التحويلات البنكية أو مصدر للعملة الأجنبية وقت الأزمات الاقتصادية فقط، سنوات طويلة وملف المصريين بالخارج يتنقل بين وزارة القوى العاملة، ثم وزارة الهجرة، ثم الخارجية، بين إقرار الوزارة ثم إلغاؤها ودمجها لتتحول لملف في وزارة ، بينما المشكلات كما هي تتكرر وتتضخم، والنتيجة أن المغترب المصري أصبح يشعر أن هناك حالة من “ودن من طين وأخرى من عجين” تجاه مطالبه الحقيقية، رغم التوصيات الرئاسية الواضحة ورغم أن الدستور المصري منح المصريين بالخارج مساحة واضحة وكوتة معلومة من الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأكد على رعايتهم وحماية مصالحهم وربطهم بالوطن باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من نسيج الدولة المصرية.
لكن ما يحدث على الأرض مختلف تمامًا، فالمشكلات المتراكمة للمصريين بالخارج لا تزال تنتظر الحل، من مشكلات التعليم لأبناء المصريين بالخارج، إلى تعقيدات المعاملات القنصلية، وارتفاع الرسوم، وأزمات التجنيد، التأمينات الاجتماعية ،المعاشات ،الجمارك ، وصعوبة الاستثمار الآمن، وغياب المظلة الاقتصادية الحقيقية التي تحمي مدخراتهم، فضلًا عن حالة التهميش التي يشعر بها قطاع واسع من أبناء الجاليات المصرية في الخارج.
وفي خضم هذا المشهد، خرجت إلى السطح مجددًا فكرة تأسيس “شركة المصريين بالخارج”، في ثوب جديد يتم تسويقه باعتباره الحل الاقتصادي المنتظر، والمشروع القادر على توحيد مدخرات المصريين بالخارج وتحويلها إلى قوة استثمارية ضخمة ، ورغم أن الفكرة في ظاهرها تبدو جذابة، إلا أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح بوضوح: هل هناك بالفعل جدوى حقيقية من إنشاء شركة مساهمة تحمل اسم المصريين بالخارج؟ أم أننا أمام محاولة جديدة لإعادة تدوير أفكار قديمة دون معالجة جذور الأزمة؟
المشكلة ليست في الاسم الرنان، ولا في الشعارات البراقة، بل في الضمانات الحقيقية والهوية القانونية والاقتصادية لهذا الكيان. لأن الحديث عن شركة مساهمة وفقًا لقانون الاستثمار يفتح الباب مستقبلاً أمام الطرح في البورصة، ودخول مساهمين جدد، وربما بيع حصص استراتيجية، بما قد يؤدي مع الوقت إلى تفريغ الكيان من مضمونه وهويته الأساسية، ليصبح مجرد شركة استثمارية عادية لا علاقة لها فعليًا بقضايا المصريين بالخارج ولا بحقوقهم ، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية فهل المطلوب إنشاء كيان يحمل الاسم فقط؟ أم بناء منظومة اقتصادية وطنية حقيقية تحفظ أموال المصريين بالخارج وتمنحهم أدوات استثمار آمنة وشفافة؟ وهل الصناديق الاستثمارية والصناديق الخاصة التي يمكن أن تخضع لإشراف ورقابة واضحة أكثر جدوى وأمانًا من فكرة شركة مساهمة قد تتحول بمرور الوقت إلى مشروع تجاري بحت قابل للبيع والتفريغ من أهدافه الوطنية؟
الأخطر من ذلك هو حالة “ركوب الموجة” التي ظهرت مؤخرًا من بعض المتسلقين والمتاجرين بقضايا المصريين بالخارج، ممن يحاولون تصدير أنفسهم باعتبارهم ممثلين للجاليات أو أوصياء على ملايين المصريين بالخارج دون أي تفويض حقيقي أو شرعية قانونية تمنحهم السلطة لفرض القرار، مستغلين حالة الفراغ وتجاهل الكيانات المنتخبة القوية هؤلاء لا يبحثون عن حلول، بل عن أضواء ومكاسب ومناصب وصور تذكارية، وليهم أجندات خاصة ربنا يقف خلفها اعل الشر ، ملف المصريين بالخارج بالنسبة لهم تجارة موسمية وشعارات وسبوبة للاستهلاك الإعلامي.
المؤلم أن بعض هؤلاء يتحدثون باسم المصريين بالخارج أكثر مما يستمعون إليهم، ويركزون على صناعة المشهد لا صناعة الحل، بينما المواطن المصري بالخارج يريد أفعالًا لا مؤتمرات، وقرارات حقيقية لا بيانات إنشائية، وإصلاحًا جذريًا لا استعراضًا إعلاميًا ،إن توحيد الصف بين المصريين بالخارج أصبح ضرورة وطنية وليس رفاهية، فلا يمكن الدفاع عن الحقوق وسط حالة الانقسام والصراعات الشخصية والمصالح الضيقة ،المطلوب اليوم كيان حقيقي يعبر عن المصريين بالخارج بصورة مؤسسية محترمة برعاية رئاسية مباشرة ، بعيدًا عن الفردية والمصالح الخاصة، ويكون هدفه الأول الدفاع عن حقوق المصريين بالخارج وتحويل طاقتهم الاقتصادية والبشرية إلى قوة داعمة للدولة المصرية، لا مجرد وسيلة لجمع الأموال أو تصدير الأوهام.
المصري بالخارج لا يريد شعارات عن الوطنية لأنه يمارس وطنيته يوميًا بالغربة والعمل والتحويلات والدعم المستمر لأسرته ووطنه، لكنه يريد بالمقابل احترامًا حقيقيًا، وتمثيلًا عادلًا، وتشريعات تحميه، وآليات واضحة للاستثمار، وربطًا حقيقيًا بينه وبين مؤسسات الدولة، لقد آن الأوان لأن تدرك الدولة أن ملف المصريين بالخارج لا يُدار بردود الأفعال أو بالمناسبات الموسمية، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية شاملة، لأن المصريين بالخارج ليسوا مجرد مورد اقتصادي، بل قوة وطنية هائلة قادرة على دعم الدولة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا إذا تم التعامل معهم باحترام وشراكة حقيقية،
أما استمرار تدوير الأفكار القديمة، وترك الساحة للمتاجرين بالقضية، وإطلاق كيانات بلا ضمانات واضحة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة، واتساع الفجوة بين المصري بالخارج ومؤسسات وطنه، وهي فجوة لا تحتملها الدولة المصرية في هذا التوقيت الدقيق.
ويبقى السؤال معلقًا: هل نريد فعلًا مشروعًا وطنيًا يخدم المصريين بالخارج ويحمي حقوقهم؟ أم مجرد لافتة جديدة تحمل اسمهم بينما تبقى الأزمات كما هي تنتظر الحل؟



