الربان وسام هيركي يكتب: السياسة هي فن إدارة المصالح و القرارات العظيمة و المصيرية تُصنع في اللحظات الأصعب

منذ ثلاث سنوات، كنت متجه بالسفينه من ميناء ينبع الي الصبن و أثناء الابحار بالثالث الاول من المحيط الهندي و الساحل الصومالي خلفي علي بعد يوم كامل من ابحار، فوجئت بكبير الضباط الهنود يشكو و يعاني من إحتباس بولي كامل منذ أكثر من ست ساعات و الألم يزداد لحظة بعد أخرى، في تلك اللحظة أدركت أننا أمام أزمة حقيقية، خاصة أننا كنا في المحبط و أقرب ميناء آمن يمكن الوصول إليه كان يبعد ما يقارب خمسة أيام إبحار كاملة.
بدأت فوراً في تنفيذ الخطة الأولى بأعطائة الأدوية المتوفرة على السفينة من مضادات الإلتهاب و موسعات المسالك البولية و أبلغت الشركة و الدكتور المختص بالشركة بكل تفاصيل الحالة و لكن في داخلي كنت أعلم أن الوقت قد لا يكون في صالحي لإنقاذه و هنا بدأت أفكر في الإحتمال الأخطر، ماذا لو لم يتحسن؟ هل أتركه حتى تنفجر المثانة و يتسمم دموياً و تنتهي حياته؟ أم أخوض مخاطرة أكبر و أحاول إجراء “قسطرة بوليه” رغم أنني لست طبيباً متخصصاً او ممرض متمرس.
في تلك اللحظات و جدت نفسي أمام قرار مصيري بين خيارين كلاهما شديد الخطورة، نحن كربابنة سفن نحمل شهادات طبية متقدمة، لكننا لسنا أطباء متخصصين و أن الأطباء خارج تخصص المسالك البولية قد لا يستطيعون القيام بهذا الإجراء بالشكل الصحيح و مع ذلك، بدأت أتعلم في خلال ساعات من خلال مشاهدة عدة فيديوهات تعليمية عن كيفية إجراء القسطرة و طلبت تجهيز الأدوات الطبية كاملة المتواجده علي السفينه و بدأت أدرس كل خطوة وكل احتمال نجاح و كل خطأ ممكن أن يحدث و كأنني سأقوم بإدارة معركة حقيقية في قلب المحيط.
كان القرار الأصعب في حياتي، إما أن أترك الرجل يواجه مصيره المؤكد لعدم خبرتي و كما ذكرها ٩٩.٩٪ من كل الأهل و المتخصصين أو أتوكل على الله و أحاول إنقاذه رغم المخاطر القانونية بالسجن و المهنية بفقد العمل و فقد الشهادات الدولية و الحاله النفسية و المادية التي قد أتحملها و التي سوف تتحملها اسرتي إذا فشلت و بعد أن صليت ركعتين و استعنت بالله و بدأت المحاولة الأولى التي فشلت و مع المحاولة الثانية، شاء الله أن تنجح القسطره و ينجو الرجل من الموت و ينقذني رب العزه من حمل ثقيل كان سيلازمني طوال حياتي.
هذه القصة لم تفارق ذاكرتي يوماً و هي قصه من ضمن كثير من القصص التي نعيشها و يعيشها زملائي من الربابنه و كل مسؤل و قيادي مدني او عسكري في أي منشأة حيوية تؤثر تأثير مباشر علي حياة البشر او مستقبل المنشأة او الدولة و هو امر يشابه إلى حد كبير ما تواجهه الدول في اللحظات المصيرية، فالقائد الحقيقي أحياناً يجد نفسه أمام قرارات لا يوجد فيها خيار مثالي، بل خيارات صعبة كلها تحمل مخاطر كبيرة، لكنه في النهاية مضطر لإتخاذ القرار الذي يراه الأقرب لإنقاذ الوطن و حماية شعبه و مصالحه و مصالح المنطقة كلها و من هنا نفهم المعنى الحقيقي لعبارة: “السياسة هي فن إدارة المصالح”.
منذ عام ٢٠١١، مرت الدولة المصرية بواحدة من أخطر الفترات في تاريخها الحديث، كانت المنطقة كلها مشتعلة و مخططات الفوضى و الإرهاب تضرب في كل اتجاه و جماعات التطرف المتأسلمة تحاول السيطرة على الدولة و مؤسساتها، لكن في ٣٠ يونيو ٢٠١٣، خرج الشعب المصري مدعوماً بمؤسسات الدولة الوطنية و القيادة الحكيمة الممثله في فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي ليُسقط هذا المخطط و تبدأ بعدها معركة طويلة ضد الإرهاب و الفوضى و محاولات إسقاط الدولة و خلال تلك السنوات، لم تكن المعركة أمنية فقط، بل كانت معركة بقاء و بناء في نفس الوقت، بناء جيش قوي و مشروعات استراتيجية ضخمة و تحركات سياسية إقليمية معقدة لحماية الأمن القومي المصري و صبر و دعم شعبي قوي و كبير.
السياسة لا تُدار بالعواطف يا سادة، بل بالمصالح و التوازنات، لذلك قد تتخذ الدولة قرارات أو تبني علاقات يراها البعض غريبة أو صعبة الفهم، لكن من يديروا الدولة هم من لديهم الصورة الكاملة التي لا يراها المواطن العادي لانهم من لديهم كل المعلومات الصحيحه و المتطلبات الواقعية و الأهداف المطلوب الوصول اليها و إدارة المخاطر الحقيقية ، إن العلاقات الدولية ليست قائمة على الحب أو الكراهية، بل على تحقيق مصلحة الوطن و حماية مستقبله و مصر منذ ٢٠١٣ أثبتت تفوقها و هدؤها و ثباتها و قوتها في رقعه الشطرنج المخابراتية السياسية الدولية أقصد إدارة كل الملفات شديدة التعقيد و تحويل الكثير من التحديات إلى فرص من النجاح و القوة و الحفاظ على توازن المنطقة رغم كل ما يحدث حولنا و الامثلة علي ذلك كثيرة و واضحه فمن طوع تركيا و امريكا و الصين و روسيا و العديد الخ.
في النهاية السياسة هي فن إدارة المصالح و كل قيادي في موقعه يتخذ قرارات مصيرية لغرض حماية و رفعه وطنة و شعبه و دولتنا المصرية و قيادتنا لم تخذلنا من قبل بل رفعت رأسنا في كل الملفات الخارجية بل عززت و رفعة من شأن مصر دولية حتي اصبحنا مركز إتزان سياسة المنطقة بل و العالم و التاريخ لا يحاسب على الضجيج و الكلمات بل يحاسب على النتائج و مهما اختلفت الآراء، تبقى الحقيقة الواضحة أن مصر استطاعت أن تحافظ على دولتنا و مؤسساتنا و أجهزتنا وسط واحدة من أخطر الفترات التي مرت بها المنطقة و ما زالت و ذلك بفضل قرارات صعبة و رؤية بعيدة و رجال دولة حملوا المسؤولية في أصعب الفترات، فكل التحية و التقدير و الدعم و الثقة في كل القرارات و التحركات التي يتخذها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي و كل رجال و قادة الوطن المخلصين خلف الستار بالمؤسسات و الأجهزة للحفظ و رفعه مصر و المنطقة و كل المصريين.
