Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

محمد ناجي يكتب توازنات القوة.. من التحالفات الثابتة إلى الاصطفافات المرنة في «إعادة تسعير العالم» 

تابعنا كيف تغيّرت قيمة الموارد والممرات والاعتمادات. لكن معرفة ما ارتفع ثمنه لا تكفي؛ يبقى السؤال: من يستطيع حماية ما يملكه، ومن يلتزم لمن حين تصبح الحماية مكلفة؟ من هنا تبدأ «توازنات القوة»

 

د. محمد ناجي – مستشار في الاقتصاد السياسي واستراتيجيات الأمن القومي

 

 

من توازن القوة إلى توازن الكلفة

 

لماذا لم تعد القوة تقاس بالحجم وحده؟

 

التحالف حين يحين الحساب

 

 

في قمة أنقرة، جدّد حلف شمال الأطلسي التزامه بالدفاع الجماعي. لكنه لم يكتفِ بتأكيده؛ وضع إلى جواره مشتريات جديدة، وزيادة في مسؤولية أوروبا وكندا، وتعهدات إضافية لأوكرانيا. لم تكن هذه رسائل متعارضة. كانت إعلانًا واحدًا على مرحلتين: الحلف يثبت التزامه، ثم يواجه سؤالًا أقل بلاغة وأكثر حسمًا؛ من يموّل القدرة التي تجعل هذا الالتزام قابلًا للتنفيذ؟

 

 

بعد البيان تبدأ سلسلة لا تختصرها صورة القادة ولا صياغة التعهد. تُدرج الحكومات الأموال في الموازنات، وتقرّها، ثم توقع العقود. تنتقل المنظومات إلى الإنتاج، وتُسلّم، وتحتاج إلى أطقم مدرّبة وقطع غيار وصيانة وذخائر. عندها فقط يظهر ما إذا كان الإعلان قد أصبح جاهزية، أم بقي اتجاهًا سياسيًا ينتظر أن تلحق به الموارد.

 

هنا تكمن دلالة أرقام أنقرة، لا في جمعها في خانة واحدة. قال الحلف إن استثمارات أوروبا وكندا في متطلبات الدفاع الأساسية زادت بأكثر من 139 مليار دولار خلال 2025.

 

وأُعلن عن مشتريات جديدة تتجاوز 50 مليار دولار. أما مبلغ 70 مليار يورو فهو تعهد بمعدات ومساعدة وتدريب لأوكرانيا في 2026، مع تعهد بمستويات لا تقل عنه في 2027؛ لا شهادة بأن كامل الدعم وصل. الزيادة المسجلة، والشراء المعلن، والدعم المتعهد به مراحل مختلفة، ولكل منها طريقها إلى التنفيذ.

لذلك لا تُقاس المساهمة بقيمة الوعد وحدها. يُسأل: هل خُصص المال؟ هل وقّع العقد؟ متى يصل السلاح؟ وهل يمكن تشغيله وإدامته؟ قد يطول الإنتاج، أو يتغير نطاق الشراء، أو تتأخر الموافقات. وكل تأخير يترك فجوة بين ما تقوله السياسة وما تستطيع القوة فعله. في أنقرة، لم يتراجع ضمان الحلف؛ لكن تثبيته ارتبط بتوسيع الإنتاج وتقاسم العبء. تلك هي النقلة من إعلان الالتزام إلى تحمل كلفته.

 

من المخزون إلى القدرة

السؤال التقليدي هو: من الأقوى؟

 

يختصر الإجابة في حجم الاقتصاد، وعدد القوات، ومخزون السلاح. لكنه لا يفسر ما يحدث حين تتوزع الأزمات على أكثر من جبهة، أو حين تصل الحاجة قبل اكتمال الإمداد. فالدولة قد تملك موارد كبيرة، لكنها لا تستطيع توجيهها كلها في الوقت نفسه. وقد تملك دولة أقل حجمًا موقعًا أو موردًا لا يسهل الاستغناء عنه.

 

الفرق ليس بين قوة وضعف، بل بين امتلاك المورد والقدرة على استخدامه في الوقت المناسب.

 

السلاح بلا صيانة مخزون يتناقص.

 

والقاعدة بلا خطوط إمداد نقطة معزولة. والميزانية لا تتحول تلقائيًا إلى قدرة قتالية؛ تحتاج إلى قرار شراء وإنتاج ونقل وتدريب، وإلى قبول سياسي باستمرار الإنفاق. ما يصل متأخرًا قد يكون مهمًا، لكنه لا يعوض دائمًا ما غاب عند لحظة الحاجة.

 

 

لهذا لا يكفي عدّ الحلفاء أو قراءة بياناتهم. ينبغي النظر إلى ما يربطهم عمليًا: كيف يعرّفون الخطر؟ ماذا يقدّم كل طرف؟ من يدير الإمداد؟ وهل يستمر التنسيق حين تطول الأزمة وتتوزع كلفتها على الموازنات والصناعة والتجارة؟ الخطاب يعلن الموقف؛ أما القدرة فتظهر في سفينة تصل، وذخيرة تُعوّض، وممر يبقى مفتوحًا، وقرار لا يتعطل عند أول خلاف.

 

 

الجغرافيا التي تعمل

 

من هنا تقودنا سلسلة الإمداد إلى الخريطة. فالممر البحري ليس خطًا على صفحة، بل زمن عبور وتأمين وانتظام شحن. والطاقة ليست حقلًا أو مخزونًا فحسب؛ إنها استخراج ونقل وتصدير وأسواق تعتمد على استمرار التدفق. والميناء أو المضيق قد يختصر الطريق، لكنه يصبح عقدة حين تضيق البدائل أو يتعطل المرور.

عندما يتوقف التدفق، يتغير الحساب بسرعة. ترتفع كلفة التأمين والنقل، وتتأخر الشحنات، ويضطر المستورد إلى البحث عن مسار أو مورد آخر. عندها قد يتحول الموقع إلى ورقة تفاوض، لكن ليس لمجرد وقوعه على الطريق. النفوذ يحتاج إلى قدرة تحمي المرور أو تستوعب انقطاعه أو تفتح بديلًا. أما الموقع الذي لا تسنده جاهزية، فقد يضاعف الانكشاف بدل أن يمنح صاحبه وزنًا.

 

وهنا يلتقي درس أنقرة بدرس الجغرافيا. لا قيمة للتعهد إذا لم تصل موارده إلى المكان الذي يحتاجها؛ ولا تتحول الممرات إلى نفوذ إذا تعذر حمايتها أو استبدالها عند التعطل.

 

السؤال العملي ليس: من يملك الخريطة؟

 

بل من يستطيع إبقاء التدفق قائمًا، ومن يتحمل ثمن انقطاعه، ومن يملك خيارات حين يضيق المسار؟ بهذه الأسئلة يصبح الموقع جزءًا من القدرة، لا خلفية لها.

 

 

ليست كل علاقة تحالفًا

 

بعد قياس ما تستطيع الدول فعله، يبقى تحديد ما التزمت به أصلًا. فالتحالف ليس اسمًا مرنًا لكل علاقة وثيقة. هو التزام أمني محدد، تسنده ترتيبات للعمل المشترك وتوقعات متبادلة عند وقوع تهديد. أما الشراكة فقد تتوسع في التجارة أو التقنية أو الاستثمار، من دون أن تنشئ ضمانًا دفاعيًا. والاصطفاف تقارب حول مصلحة أو ملف؛ قد يضيق عندما تتغير الحسابات. والمنصة تجمع أطرافًا للتشاور، لكن اتساع طاولتها لا يعني اتفاقها على كل قضية.

 

بريكس مثال واضح على ضرورة هذا التمييز. تضم المجموعة أحد عشر عضوًا، وعقدت قمتها الثامنة عشرة في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026. وقدمت الرئاسة الهندية وإعلان القمة إطارًا للتشاور والتعاون في مسارات سياسية وأمنية واقتصادية ومالية وثقافية.

 

هذا يثبت اتساع المنصة واستمرارها؛ لكنه لا يحوّل عضويتها إلى التزام دفاعي مشترك، ولا يضمن موقفًا موحدًا في كل ملف. جمع الدول في إطار واحد لا يلغي اختلاف مصالحها.

 

 

وينطبق المعيار نفسه على التشاور الإقليمي. في 21 سبتمبر، اجتمع وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا في نيويورك، وأكد بيانهم استمرار التشاور والتنسيق، إلى جانب مواقف بشأن قضايا إقليمية وحرية الملاحة. لهذا الاجتماع قيمة سياسية، لكنه لا ينشئ حلفًا دفاعيًا ما لم يقترن بالتزام متبادل محدد وآلية تنفيذه. ليست المسألة تقليلًا من شأن التشاور؛ بل منع الخلط بين ما يتيحه وما لا يَعِد به.

 

 

قد تتسع التجارة فيما تختلف الدول على تعريف الخطر. وقد تتوافق في ملف، مع احتفاظ كل طرف بحرية قراره في ملفات أخرى. هذا لا يجعل العلاقة شكلية؛ إنه يحدد حدودها. كثرة الاجتماعات تقيس كثافة التواصل، لا عمق الالتزام. والاختبار ليس في عدد البيانات، بل في نوع الكلفة التي يقبل كل طرف تحملها عندما تتعارض المصالح.

 

 

ما الذي يصمد تحت الضغط؟

 

يظهر الفرق بين الوعد والقدرة حين يصبح الوفاء مكلفًا. عندها ينبغي أن تتضح المساهمة: قوات أم معدات أم تمويل؟ إتاحة قواعد وممرات أم دعم سياسي؟ ومن يتحمل الكلفة المباشرة، ومن يدفع أثرها على الموازنة والصناعة والتجارة؟ ثم يأتي السؤال الذي يكشف صلابة الترتيب: ما كلفة التراجع، ومن يملك قرار احتمالها؟

نادراً ما يبدأ التصدع بإعلان انسحاب. قد يبدأ بخلاف على تعريف التهديد، أو تفاوت في العبء، أو عجز عن توفير ما وُعد به. وقد يتسع عندما يفقد الالتزام سنده السياسي الداخلي، أو حين يرى طرف أن الاستمرار صار أعلى كلفة من التراجع. ليست لكل علاقة نقطة ضغط واحدة؛ بعضها يعتمد على قرار القادة، وبعضها على موافقة البرلمانات، وبعضها على مصانع لا تستطيع تسريع إنتاجها ببيان.

 

والزمن نفسه يدخل في الفاتورة. بناء قدرة صناعية أو لوجستية يستغرق سنوات، فيما يستمر الاعتماد القائم خلال تلك السنوات. شراء منظومة جاهزة قد يرفع الجاهزية أسرع، لكنه يبقي المشتري مرتبطًا بالمورّد في الصيانة والقطع والتحديث. أما الإنتاج المحلي أو المشترك فيحتاج إلى استثمار ومعايير وتنسيق، وقد يتأخر مردوده. وتنويع الشركاء والمسارات لا يلغي الاعتماد؛ لكنه يقلل خطر الارتهان لمصدر واحد.

 

لا يوجد اختيار بلا ثمن، ولا توازن يلغي الحاجة إلى المفاضلة.

 

بعض الكلفة يُدفع الآن لشراء مرونة لاحقًا؛ وبعضها يتراكم بصمت في اعتماد يصعب فكه. من هنا لا يعني «توازن الكلفة» حسابًا ماليًا ضيقًا، بل قياس قدرة الدولة على الاستمرار: ما الذي تستطيع تمويله، وما الذي لا تستطيع تأجيله، وأي اعتماد تقبل به كي لا تفقد خياراتها؟ لا تكفي قراءة رقم منفرد؛ لا بد من متابعة المسافة بين التعهد والتنفيذ.

 

الخليج والبحر الأحمر: ميزان التدفق

 

في الخليج والبحر الأحمر تتجاور الطاقة والموانئ وخطوط الملاحة والتأمين والتجارة. ليست ملفات منفصلة؛ إنها حلقات في تدفق يصل المنطقة بأسواق بعيدة. إذا اضطرب ممر، انتقل الأثر من زمن الشحن إلى كلفة التأمين وانتظام السلع والطاقة، ثم عاد إلى حسابات الدول والشركات. ما يبدو حادثًا بحريًا قد يصبح كلفة اقتصادية، ثم قيدًا على القرار السياسي.

 

لكن الموقع لا يمنح صاحبه نفوذًا تلقائيًا. يتكون النفوذ عندما تقترن الجغرافيا بقدرة تحمي التدفق، وتوفر بدائل، وتمتص التعطل، وتدير الاعتماد المتبادل. وإذا تركزت التجارة أو الطاقة أو الخدمات الحيوية في مسار واحد، يصبح الموقع نقطة تعرض بقدر ما هو مصدر أهمية. الممر الذي يختصر المسافة لا يحمي نفسه، والاعتماد الذي يخفض الكلفة في الظروف العادية قد يرفعها بشدة عند الانقطاع.

من هذا المنظور، لا يُختزل السؤال السعودي في اختيار معسكر. المسألة هي إدارة الشراكات من دون ارتهان أحادي، وحماية الممرات، وتوزيع المخاطر بين المسارات والأسواق والشركاء. كيف ترتفع كلفة تعطيل موقع المنطقة؟ ليس بالتصعيد، بل ببناء قدرات تصون التدفقات وتجعل استمرارها ممكنًا عبر بدائل موثوقة. الموقع يكتسب وزنًا تفاوضيًا حين يصعب تعطيله، وحين لا يصبح صاحبه رهينة طريق واحد.

 

القوة تُقاس بما يستمر

 

القوة ليست عدد العلاقات ولا حجم المخزون وحده. إنها قدرة الدولة على تحويل مواردها وموقعها وشبكاتها إلى التزام تستطيع الاستمرار فيه. والتحالف لا يُختبر عند توقيعه؛ يُختبر عندما تتعارض كلفة الوفاء به مع كلفة التراجع عنه.

 

العالم لا يدخل عصرًا بلا تحالفات، لكنه لا يمنح كل علاقة الوزن نفسه ولا يحول كل وعد إلى قدرة. في الخليج والبحر الأحمر، تظهر الفروق في الممرات والتأمين والطاقة والشحن قبل أن تستقر في البيانات السياسية. لا يكفي أن يكون لك حليف؛ الأهم أن تعرف ما يستطيع تقديمه، وما تستطيع أنت تقديمه، وما يبقى متاحًا حين ترتفع الفاتورة. فالالتزام الذي لا يصمد أمام كلفته ليس ضمانًا؛ إنه إعلان مؤجل الاختبار.

 

د. محمد ناجي – مستشار في الاقتصاد السياسي واستراتيجيات الأمن القومي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى