Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر “الحلقة الحادية عشر ” ..تفكيك الملحدين …

محمد عنانى

محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند” فرادى أحياناً، جماعات أحياناً.وعلى سبيل المثال سمح حسن طلب لنفسه بأن يقيّم جهد زملائه، وأن يقلل منه، وأن يأخذ موضع الأستاذ في تعقيبه على الملف الذي نشروه في العدد 175 أكتوبر 1975 عن صديقهم على قنديل الذي مات في حادثة قاسية، وقبل التطرق لما كتبه حسن طلب نستعرض ما كتبه الشعراء في الملف، الشعراء الذين سيشارك بعضهم تجربة إصدار «إضاءة 77» بعد عامين على هذه الواقعة.
جاء الملف الذي أفرد له عبدالصبور مساحة معقولة وأعده حلمي سالم تحت عنوان «موت شاعر شاب»، وكانت مقدمته تقريرية ومنسوبة لمجلة «الكاتب»: «في الشهر قبل الماضي اختطف الموت الشاعر الشاب علي قنديل الذي سبق أن نشرنا إحدى قصائده وكان موت الشاعر الشاب ضربة ساخرة من ضربات القدر. فهو لم يمت على فراش أو عقب مرض، وإنما مات في الطريق ضحية لسيارة عمياء وسائق مجنون. وكان علي قنديل موهبة تعدُ بالكثير، وتستقطب الكثيرين من زملائه وأبناء سنّه.. ولد بقرية الخادمية، مركز كفر الشيخ في 5 أبريل 1953 وتفوق في دراسته الإعدادية، فالتحق بالمدرسة الثانوية للمتفوقين بالقاهرة التي أهلته للالتحاق بكلية الطب عام 1971. وفي كفر الشيخ اشترك في تأسيس جماعة أدبية باسم (حوريس) وفي القاهرة اشترك في تأسيس ندوة مجلة الشباب الأسبوعية، وفي المدينتين معاً كتب شعره المتدفق الوهاج، وتعلق بحلم جميل: أن يجدد في القصيدة العربية وأن يشحنها بكهرباء جديدة. وفي محاولته الدائبة لتحقيق حلمه – الذي شاركته فيه مجموعة من زملائه وأصدقائه – راح يجدد ويغامر بحب بالغ للشعر وإيمان صوفي برسالته. ثم مات علي قنديل، فجأة وبغير مقدمات.. ومع الدهشة واللوعة تجمّع أصدقاؤه وزملاؤه، وراحوا يجمعون شعره، ويتأملون فيه، حتى صار لديهم، ما يقرب من (الملف) جاؤونا به بغية أن يظل قنديل زميلهم متوهجاً ومضيئاً».
وكتب حلمي سالم ما يشبه المقدمة الثانية: «إن هذه الصفحات القليلة التي نقدمها بين يدي القارئ لا تهدف إلى رثاء علي قنديل بل إلى أن يقترب القارئ من عالم شاعر حقيقي لم يتجاوز الثالثة والعشرين، لم يكد يدخل ساحة الاقتتال الشعرية شريفاً وجسوراً حتى اختطفته عربة من الصفيح والجهالة، كما أن اختيار القصيدة المقدمة لا يقوم على أساس تقويمي بل على أساس تذوقي، مع حرصنا على أن نساعد القارئ على الدخول إلى عالم هذا الشاعر الذي يقول في براءة وارتقاء. خلقت من نفسي كهرباء نفسي» ووصف جمال القصاص «قنديل» بأنه: «الشاعر الحالم بالرياح المغامرة وبالمخاض إذ يجيء من رعدة الطين وتشققات الحجارة، وبالطبيعة إذ تنمو وتصحو مليئة بكائنات التحول، مطلقة روح الأشياء كي تخاصر العناصر البريئة، وتكسر عقم الترصد والضرورة وينزل كل شيء ساحة الإشراق»، ويتجاهل سيد حجاب «حسن طلب» في تأريخه للشعر المصري عبر أجياله بادئاً بأحمد شوقي الذي جاء بعده شعراء قصار القامة: «كانوا منكفئين. بعضهم انكفأ على ذكريات وادي عبقر وجبل الأولمب، وبعضهم انكفأ على أناشيد الرعاة، وبعضهم على ذاته المهيضة انكفاء، والبعض عكف على شعراء الرومانسية الإنجليزية مع حلم محبط يوصل هؤلاء الرومانسيين بنصاعة الكلاسيكية العربية لخلق القصيدة الحديثة!!»، ثم «جاءت موجة الخمسينات الجارفة، أخلاط وأمشاج من الشعراء أنصاف الشعراء وأرباعهم» ومن بين البعض الذي يرضى عنه سيد حجاب هنا صلاح عبدالصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وصلاح جاهين، ثم أمل دنقل، ومحمد إبراهيم أبوسنة، ويضع نفسه ضمن القائمة (سيد حجاب) وعبدالرحمن الأبنودي وزين العابدين فؤاد، ثم عفيفي مطر، ثم علي قنديل وحلمي سالم وأمجد ريان، ثم يمضي إلى تحليل بعض قصائد علي قنديل ومنها ما نشر في ذيل الملف مع رسومات لبكري محمد بكري.
وفي تعقيبه على الملف في العدد التالي كتب حسن طلب مقدمة جميلة عن الشاعر الميت، وحاول أن يفعل نفس الشيء مع الشعراء الأحياء الذين كتبوا في الملف وغيرهم، غير أنه بدأ في إطلاق نيران مسدس الماء الذي بحوزته لإغاظتهم، وكنوع من التمهيد لرأيه كتب: «مع التسليم بحسن نيّة المشتركين في الملف، ومع التقدير لجهدهم، فإني أرى أن هناك بعض الإشارات الضرورية التي يجب تسجيلها لهم أو عليهم» ثم: «ما كتبه حلمي سالم ليس مقالاً بالمعنى الدقيق، بل هي ديباجة موجزة مرتكزة على حقيقة يتيمة، هي أن علي قنديل كان واحداً من حركة أدبية شابة تسعى لخلق حساسية جديدة من خلال فهم استراتيجي للفن على أنه مجرد تشكيل، ولعل حلمي سالم لم يكن معنياً بخصوصية الكتابة عن علي قنديل بقدر ما كان مهتماً بالإشارة إلى تلك الحركة التي ينتمي إليها» ثم يكتب صاحب «الخازباز»: «ما كتبه جمال القصاص يخرج عن دائرة المقال تماماً هو الآخر، ويدخل في أي باب إنشائي آخر، كالخواطر أو الانطباعات مثلاً، من حيث اشتماله على التهويمات والشطحات دون الأفكار والمفاهيم ومن حيث اعتماده على الوصف دون التحليل» ثم يلقي مسدس الماء من يده ويتناول شاكوشاً يهوي به على رأس سيد حجاب الذي استبعده من قائمته، لكنه بالطبع يتشاجر دون أن يذكر أمر الاستبعاد، ولا نستطيع الدخول في ضميره لنحكم بدورنا على أن هذا ما ضايقه فعلاً، أم لا، لكن الإنسان ضعيف بالطبع، يقول بعد مدخل ثناء بسيط في حق سيد حجاب: «في المقال سرد تاريخي طويل لم يكن يحتمله مقال صغير عن علي قنديل، فقد احتل حوالي ثلث الحيز، علاوة على أنه اشتمل على سلسلة من المغالطات آخذ بعضها برقاب بعض، ولم يكن ثمة ما يدعو أن يبدأ المقال بشوقي، وحتى إن بدأ، بحجة السياق التاريخي، فلم يكن هناك مبرر لأن يتطرق إلى شعر العامية، وحتى إن تطرق بدعوى أن الشعر لا يتجزأ، فما كان يصح أن ينتقي الكاتب لنفسه مكانة بارزة في السياق إلى جانب الأبنودي تماماً، وحتى إن انتقى بفعل ذاتي محض، فما كان ينبغي أن يتجاهل شعراء من أمثال فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وفؤاد قاعود ومصطفى الشندويلي ومجدي نجيب، وحتى إن تجاهل بحجة التخصص، فإن حديثه عن شعر الفصحى كان يجب أن يتم بموضوعية أكثر وبحساسية أشد، فلا يحكم على جماعات كاملة من الشعراء بالنسيان، صحيح، المسألة ليست مجرد إحصاء ببليوجرافي ولكنها مع ذلك ليست مجرد هوى شخصي، والإسهامات الشعرية منذ مهّد صلاح عبدالصبور الطريق كثيرة ومتنوعة، وتشمل إنتاجاً للشعراء: ملك عبدالعزيز، نجيب سرور، كمال عمار، محمد مهران السيد، عبدالحليم توفيق، ومحمد أبودومة.. إلخ، صحيح أن فيهم من توقف ومن هو محدود العطاء والموهبة ولكن حذفهم من سجل الشعر وطردهم من حظيرته أمر ليس بيد سيد حجاب ولا بمقدور أحد من أبناء جيله، فهو موكول للأجيال القادمة. وبعد أن ينشأ الفاصل الزمني الذي يضمن سلامة الحكم وموضوعية التاريخ، فضلاً عن أن من هؤلاء من لا يزال في مقتبل العمر، وفرصة التجريب، وفسحة الإبداع ممدودتان أمامه بلا حدود». وواصل هجومه على سيد حجاب معترضاً على مجيء اسم محمد عفيفي مطر، الذي بدأ بنشر إنتاجه منذ حوالي عشرين عاماً، في ذيل قائمته، وقال بالمرة إن دراسته لقصيدة «القاهرة» لعلي قنديل: «خلت من أية دراسة فنية للغة والبناء والإيقاع والصورة، واقتصرت على شرح المعنى».
ولم يستثن حسن طلب من جيل السبعينات كله إلا شاعراً لميزيتين اثنتين فيما يبدو، أولاهما أنه مات، والثانية أنه قبل وفاته عمل لآخرته بدراسة عن حسن طلب نفسه. ذلك هو الشاعر علي قنديل، الذي يستحق الاحتفاء لكن ليس لهذين الميزتين فقط: «ولقد تركت مثل هذه الدراسات بالإضافة إلى المناقشات الطويلة التي اشترك فيها علي قنديل، بصمات واضحة على إنتاج أصدقائه والمحيطين به من الشعراء وعن كاتب هذه السطور، فقد أفاد كثيراً من دراسة علي قنديل لقصيدة (نجلاء.. الحلم والحقيقة) تلك الدراسة التي ظل علي قنديل – ولآخر لحظة قبل أن يموت – يكافح من أجل نشرها في مجلة الشباب».

عرض أقل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى