Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر ” الحلقة الرابعة عشر ” ..تفكيك الملحدين …

محمد عنانى

محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند” (حكاية تو) لفتحي غانم، والتي نشرت مسلسلة في مجلة (روز اليوسف) عام 1973».
ويضيف شعبان يوسف: «استطاع يوسف السباعي أن يحرر (الكاتب) من النبرة اليسارية التي بدأت تعلو في ظل ظروف سياسية جديدة، وأتى بصلاح عبدالصبور (المعتدل) والراضخ لما تقرره الإدارة السياسية، وجاء كذلك بعبدالعزيز صادق، وهو الرجل الأقرب والأضمن من صلاح عبدالصبور، فعبدالصبور رجل تحكمه ثقافة عميقة، وكان الجانب الأدبي والفكري في المجلة يخص صلاح عبدالصبور بدرجة كبيرة، أما الجانب السياسي فيها فكان يشرف عليه عبدالعزيز صادق، ولن ننسى أن هناك الدكتور رشاد رشدي، والذي ابتدعوا له مجلة (الجديد)، فراحت تنشر كل غثّ وركيك وسطحي، مواد ثقافية تخلو من أي عمق، وللأسف هرول كثير من المثقفين للنشر فيها، ولكن عندما جاء عبد الصبور إلى (الكاتب) أنقذهم من فخ (الجديد)، ولا أنسى هنا إشارة مهمة، أن مجلة رشاد رشدي كانت تطبع كتاباً شهرياً، وأصدرت مجموعات شعرية لفتحي سعيد وحسن فتح الباب، كما أصدرت مسرحية (حبيبتي شامينا) لرشاد رشدي نفسه، و(الخطوبة) وهي المجموعة القصصية الأولى لبهاء طاهر».
ظلت «الكاتب» التي تُدار من داخل غرفة صغيرة في «1117 كورنيش النيل» بمثابة مجلة تعمل على استقطاب كثير من الكتّاب الشباب، ومنهم يوسف أبو رية، وشمس الدين موسى، وضياء الشرقاوي، ومحمد الراوي، ونشر محمد مستجاب أول رواية له مسلسلة فيها «التاريخ السري لنعمان عبدالحافظ»، كذلك كتب فيها بدر الديب وخيري شلبي وغيرهم، وكانت المتابعات النقدية والصحفية تحاول أن تقف في مواجهة طوفان مجلات الماستر وقتها، تلك المجلات التي تحوّلت في فترة وجيزة إلى المتن الحقيقي للثقافي. يعلق شعبان يوسف: «بعد أن انتهت أغراض شعراء السبعينات في المجلة، وهجرها تقريباً الشاعر صلاح عبدالصبور، بدأ حلمي سالم في تأسيس مجلة (إضاءة 77) مع زملائه، وصدر العدد الأول في يوليو 1977، ليضم مجلس تحريرها بخلاف حلمي سالم كلاً من جمال القصاص وحسن طلب ورفعت سلام، وللأمانة التاريخية كان العزيز صلاح أبو نار السياسي المثقف مطروحاً للمشاركة في مجلس التحرير، ولكن لأن حلمي سالم كان حريصاً على أن تكون المجلة للشعر فقط، تراجع عن ضمه، ولا أنسى أن الفنان عمر جيهان أشرف فنياً على المجلة في كل أعدادها الأولى».
عفريت رشاد رشدي ومجلة «الجديد»
ولو انتقلنا إلى غرفة أخرى في الطابق الأول من «1117 كورنيش النيل»، غرفة مجلة «الجديد» سيبدو كأننا ننتقل إلى استراحة تخص الوزير يوسف السباعي، استراحة فخمة ذات حديقة وارفة الظلال، عالية الأسوار، لا يعرف أحد ما الموجود فيها، أو يعرفون من خلال فتحات السور، لكنهم يدركون أنها لا تخصهم، وإنما تخص الرجل القوي المسنود من الوزير شخصياً، كان صلاح عبدالصبور يحاول إمساك العصا من المنتصف طوال الوقت، ونجح في إقناع البعض أحياناً أنه شخص مستقل، أجبرته الظروف على أن يكون موظفاً داخل وزارة الثقافة، كما كان مسنوداً على موهبة ضخمة وثقافة عريضة لا غبار عليها، ولم يجرحها حتى من اعتبروه خائناً في لحظة من اللحظات، أما رشاد رشدي فكانت موهبته، بحسب كثير من النقاد في ذلك التوقيت، ضحلة وتشبه بحيرة راكدة، كان مؤمناً بنظرية صديقه يوسف السباعي، نظرية «المتعة» التي جرّت علينا المسرح التجاري والسينما التجارية والعروض الترفيهية وغيرها، حتى المتعة لم يستطع تحقيقها إذ أن أفكار معظم أعماله كانت مباشرة وسطحية ودعائية وزاعقة، وقد كان يتعامل مع نفسه باعتباره الهرم المصري الرابع، مستنداً بدوره على مجموعة من الهتيفة الصغار، وعلى علاقته بوجهاء المجتمع، ورجال الدولة الكبار، وحتى بزوجته لطيفة الزيات، وطبعاً بسيادة الوزير، ومن الطبيعي ألا يشعر بالتطور الذي يجري من حوله، فقد عزل نفسه في شلته، متصوراً أنها تملك الحقيقة، وأنها تملك مفاتيح الفن والأدب الراقي، البعيد عن لوثة اللاأخلاقيين، شرذمة المثقفين، كارهي الوطن، مدّعي الفضيلة، أبناء النكسة، وصوت الخراب الذي يحاول أن يجد لنفسه مكاناً بعد انتصار أكتوبر.
وقد ساهم رشاد رشدي في الحرب على هؤلاء، فاتحاً صفحات مجلته «الجديد» لكثير من المقالات التي تشبه بلاغات في الطرف الآخر، لكننا لسنا في حاجة بعد كثير من النماذج التي طرحناها إلى نماذج أخرى للبذاءة واحتقار الآخر وتخوينه واختزال الرأي في الشتائم، ومن الأفضل أن نعرض لعدد من تلك المجلة التي رأى السباعي أنها أفضل حالاً من «الكاتب» حتى من قبل أن تندلع المعركة الكبرى، وبإمكانك أن تمد يدك في كومة وتسحب أي عدد، وبنسبة كبيرة للغاية سترى نفس الخلطة، مقال في تأليه عمل من أعمال رشاد رشدي أو مجموعة منها، مقال كبير له، بالكاد يمكنك أن تُكمل فقرة فيه، مقال يحاول مناقشة أفكار أو إنتاجها، فتخرج من الماكينة اليمينية أفكاراً كبيرة، لكنها كالبراميل الفارغة، ومجموعة من المقالات لا تعرف إن كانت ترجمات أم قراءات في أعمال مترجمة، ثم إن تبويب المجلة غير واضح، وكأنها تجميع لعدد من المواد وجدها على مكتبه – ذات صباح – ودفع بها إلى الطبع، دون حتى أن يكلف نفسه عناء النظر إليها أو وضعها في سياقات مفهومة.
عرف رشاد رشدي المناصب الكبرى منذ بداياته، فبعد عودته من بريطانيا عُيّن ناظراً لمدرسة «النقراشي» ثم أصبح أستاذاً في كلية الآداب جامعة القاهرة ورئيساً لقسم الأدب الإنجليزي بها وظل بهذا المنصب لمدة 22 عاماً، قبل أن يُعيّن في 1975 رئيساً لـ«المعهد العالي للفنون المسرحية» ورئيساً لـ«أكاديمية الفنون» وعمل كذلك رئيساً لمسرح «الحكيم» وامتدت فترة رئاسته لمجلة «المسرح» في الفترة من 1964 إلى 1966 قبل أن يصبح رئيساً لتحرير «الجديد» عام 1973، وفي العدد الـ25 بتاريخ 15 يناير 1973 – على سبيل المثال – يكتب تحت عنوان «محاورات في الموضوعية» متخيلاً مناقشة تجمعه في حديقة من الحدائق الممتدة إلى جوار الأهرامات بصحفي وكاتب مسرحي، ويبدو أنه كان يمثل الجميع: «قال الناقد موجهاً حديثه إليّ: إنك تدعو إلى تبني النظرة الموضوعية في الحياة فهل يمكن أن تقول نفس الشيء بالنسبة للأدب؟ وقلت: كما أن في النظرة الموضوعية خلاص المجتمع كذلك أعتقد أن في النظرة الموضوعية خلاص الأدب» وقال الصحفي: «نظرة الجمهور إلى العمل الأدبي أم نظرة النقاد إليه أم نظرة الأديب إلى أدبه؟ وقاطعه الناقد قائلاً: وهل يمكن أن تكون نظرة الكاتب إلى ما يكتب نظرة موضوعية؟ إن الأدب يا صديقي تعبير عن النفس فكيف يمكن أن يكون ما يكتبه الكاتب موضوعياً في حين أنه ألصق الأشياء بنفسه؟ وقلت أسأله: تعني أن العمل الأدبي هو مرآة لنفس الكاتب؟ وأجاب الناقد الصحفي: هو كذلك، مرآة صادقة تعكس ما في نفس الكاتب في أمانة وإخلاص» وهكذا تمضي المحاورة وكأنها لن تنتهي أبداً.
ويخصص رشاد رشدي صفحتين 42 و43 لعرض كتاب الدكتور عبدالعزيز حمودة عنه والصادر في يناير 1973 عن مكتبة «الأنجلو» تحت عنوان: «مسرح رشاد رشدي» (عنوان الكتاب والمقال معاً) ويعرض له سعد عبدالعزيز: «د. رشاد رشدي كان قادراً طوال تلك الرحلة على أن يعطي للمتلقي دائماً شيئاً جديداً وينبغي أن نذكر أن شخصية الرجل المصري وما تتميز به من خصائص وسمات مختلفة كان بمثابة المادة التي ينحت منها الدكتور رشدي – بادئ ذي بدء – أشكاله الدرامية» ومن ضمن كتّاب العدد ومترجميه عبدالمنعم شميس، بهاء أنيس، عبدالرحمن سليم، مجدي نجيب، سعد عبدالعزيز، عبدالله خيرت، محمد شلبي، شفيق فريد، رفيق الصبان، محمد الجيار، وحمدي السكوت.
ويبدو أن شخصاً ما ورعاً في عائلة رشاد رشدي، ربما أمه، وربما أبوه، وربما أي أحد آخر، دعا عليه ونفذت دعوته من السماء والحجب العليا فاستجاب لها الله، وسلّط عليه فاروق عبدالقادر، وهو في حد ذاته كابوس فظيع للغاية، لقد أثار فاروق عبدالقادر الفزع في الوسط الثقافي بسلاطة لسانه، وعدم تهيّبه، أو تجميله الكلام، أو خوفه من مسؤول صغر شأنه أو علا، وعدم استطاعة أحد – كذلك – إمالته بمنصب أو جائزة. كان فاروق لا ينتظر شيئاً من أحد، وحينما جاءته جائزة سلطان العويس صرف قيمتها المالية الضخمة على أصدقائه خلال أسابيع قليلة.
كان اسم فاروق عبدالقادر يثير غضب رشاد رشدي، وفزعه كذلك، إذ أن ظهوره يعني أنه لن يسلم هو أو كتابته من أذاه، خاصة وأنه لم يكن يُميّز ما الشخصي وما العام، ما الذي يمكن الكتابة فيه، وما الذي يُعتبر عيباً أو تجاوزاً لحدود الأخلاق لا تجوز الكتابة عنه، لقد ظهر فاروق عبدالقادر لرشاد رشدي في حياته ولم يرحمه حتى بعد وفاته، وكان ينصب مدفعيته تجاه خصومه في تلك الفترة في «الطليعة». يحكي شعبان يوسف أنه في أواخر عام 1975 كان ومعه محمود نسيم يحاولان اكتشاف الحياة الثقافية بأنفسهما، إذ لم يكن هناك من يأخذهما ويدلهما على مواقع النشر والندوات والفعاليات الثقافية، وكانا منخرطيْن فقط في العمل السياسي والحركة الطلابية الهادرة: «كنا خارجين تواً من سنّ العشرين، وكانت لدينا حصيلة من الكتابات الشعرية الأولى، وكنت قد كتبت بعض القصص القصيرة، وذهبنا في أولى جولاتنا إلى الناقد فاروق عبد القادر في مجلة (الطليعة) حيث كان يشرف على الملحق الثقافي بها، وكنا نعرف أن مقرها في الدور السادس من مبنى الأهرام، وبعد أن صعدنا إلى الدور السادس، قيل لنا إن مقر المجلة نُقل إلى الدور الأرضي، وهكذا عدنا أدراجنا مرة أخرى». أدرك شعبان بقليل من التفكير سرّ هذا النقل، فقد كانت المجلة بطاقم تحريرها غير مرغوب فيها، إذ أنها كانت تنتمي إلى ذلك اليسار المزعج للدولة في ذلك الوقت «كنا نرى، كفصيل سياسي متطرف، أن ذلك اليسار قد استُهلكت أغراضه بالنسبة للدولة، لذلك لا بد من التخلص منه تحت أي ذريعة، وكانت هناك كتابات متمردة أزعجت الإدارة السياسية، وكان نقل مقر المجلة خطوة أولى للتخلص منها، حيث أن المكان الذي نقل إليه مقر المجلة، كان في مدخل فيلا يستقر فيها مقر مجلة الأهرام الاقتصادي، وقد هُدمت تلك الفيلا فيما بعد، وشُيّد مبنى الأهرام الثاني، وكان في مدخل الفيلا كشك زجاجي كبير، يشبه أكشاك الأمن والاستعلامات، هو مقر مجلة الطليعة الجديد، ليس كتمهيد لنسف المجلة، بل كعقاب كذلك على أشكال التمرد التي كانت يثيرها كتّابها».
كان الملحق الثقافي للمجلة، من أبرز الملاحق الثقافية في مصر، وكان ينشر مقالات ونصوصاً إبداعية لصنّاع الثقافة الأصليين في ذلك الوقت، من طراز يحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل ومحمد المنسي قنديل ورضوى عاشور وغيرهم، وكان قلم فاروق عبد القادر يثير الزوبعة تلو الزوبعة، وقد استقبلهما بترحاب شديد، واستطاع أن يلمّح بذكاء إلى أنهما ينتميان إلى اليسار الراديكالي، وردّ شعبان بنزق طفولي عليه قائلاً: «هكذا هي السلطة، تقذف من عملوا معها إلى الأماكن الخلفية»، ولم يستطع فاروق عبد القادر حاد الطباع أن يفوّت العبارة، واشتبك الثلاثة في حوار كان يعلو إلى حدود الغضب ويهبط إلى مستوى الابتسام، كان حاداً وممتعاً. يقول شعبان: «أشهد أنه رغم حدته كان حكيماً، ولكنه كذلك كان قاطعاً في أحكامه، ولا أنسى أنه عندما وصل الحوار بيننا إلى يوسف إدريس، رفع كفه اليمنى، فارداً أصابعه الخمس، وقال بحسم: لن يبقى منه سوى خمس قصص».
فاروق عبدالقادر لرشاد رشدي: عملك هابط فكرياً وركيك فنياً
أمسك فاروق عبدالقادر بياقة رشاد رشدي في عدد «الطليعة» الحادي عشر بتاريخ نوفمبر 1974 متناولاً مسرحيته «محاكمة عم أحمد الفلاح» ضمن مسرحيات لآخرين: «المسرحية تهوى إلى عدد من المزالق الفكرية الخطيرة، مردُّها جميعاً افتعال ثورية زائفة ومحاولة تملق الإنسان أو الفلاح المصري (هو الذي كان يتعالى على النماذج التي تمثل جماهير الشعب وينفر من غلظتها وفظاظتها في أعماله السابقة) ويكشف عن معرفة ساذجة وضحلة بالعدو، لا تتجاوز سطوراً من بعض أساطيرهم إلى جانب عدد من الثرثرات الشائعة (وهم يقطعون أصابع الأطفال كي لا يحاربوهم، ويستأصلون غدد الفتيات كي لا ينجبن أطفالاً!) هذا كله إلى جانب ذلك المنزلق السهل الذي يمثل انهيار كبار ضباطهم، واعترافهم بأنهم عاشوا حياتهم كلها على الأكاذيب» و«في الجانب المقابل يكتفي رشاد رشدي – في تملقه للإنسان المصري أو العربي – بأن يصرف النظر عن واقعه تماماً ويروح يتغنى بأنه قهر الصحراء، وأقام فجر الحضارة، وهو يتغزّل فيه على نحو ساذج ومضحك: (عم أحمد لحم ودهب، عضمه فضة، شعره من نور السما، بذوره في الأرض الطيبة.. صيف وشتا.. سنة بعد سنة، رواها.. وروته، ولدها.. وولدته، مقدرش اقول إنه ابنها وإنها أمه، اللي اعرفه إنه دمها وهيّ دمه).. إلخ» ويستمر في نقده للمسرحية حتى يصل إلى القول إنها: «عمل هابط على مستوى الفكر، ركيك على مستوى الصياغة الفنية، يستهين بما قدمه الشعب المصري، كي يجعل ما حدث في أكتوبر ممكن الحدوث، يُميّع القضايا الرئيسية، ويحرّفها إلى قضايا فرعية، يخلط الأوراق وأطراف الصراع عن عمد، ولا يبقى لك في النهاية إلا تلك الصياغات التي مججناها في مسرح رشاد رشدي، هذا السجع السخيف المفتعل الذي يشي بفقره الروحي والفني جميعاً. وأخيراً: من الذي يحاكم الفلاح المصري، ويتهمه بالكسل والفقر والجهل؟ أغلب الظن أنهم هؤلاء أساتذة رشاد رشدي وأصدقاؤه الذين يقدم لنا سخافاتهم كل شهر مرتين في المجلة التي يرأس تحريرها».
ثم كان مقاله العنيف عن كتاب «رشاد رشدي» الذي أصدرته هيئة الكتاب بعد رحيله بأربعة أعوام في 23 فبراير 1983، وهو الكتاب الذي يضم مقالات لأحمد بهجت وأنيس منصور وسمير سرحان وعبدالعزيز حمودة ومحمد سلماوي ومحمود فوزي وأيضاً أرملته ثريا رشدي، وكان هذا في عهد رئيس الهيئة الأسبق الدكتور سمير سرحان. كتب سرحان نفسه مقالاً في هذا الكتاب، وكانت هذه فرصة عظيمة لعبدالقادر ليجرجره من ملابسه إلى الوحل مع الباقين في مقاله المعنون بـ«تجليات رشاد رشدي.. أو عودة الوجه القبيح» ويبدو النصف الثاني من العنوان مأخوذاً من عنوان قصيدة صلاح عبدالصبور مع تحريف بسيط «عودة ذي الوجه الكئيب»، وهذا المقال تضمنه كتابه الصادر عن دار «شرقيات» عام 1993 «من أوراق الرفض والقبول».
يقول فاروق عبدالقادر ببساطة في هذا المقال إنه شخص بلا قلب، ولا يهمه تذكير صديق له بمقولة «اذكروا محاسن موتاكم» فمبجرد أن ينطق ذلك الصديق تلك الجملة الكليشيهية، يسأله عبدالقادر: «فإن لم نجد؟» وما يعنيه هو «امتداد الماضي الكريه في الحاضر من ناحية، وضرورة امتلاك هذا الماضي من أجل المستقبل»، وهذا الماضي الكريه يخص بالطبع رشاد رشدي، وبالتالي قدم عبدالقادر حفلة على شرف المشاركين في كتاب الهيئة عنه، قبل أن يتفرغ لإكرام سمير سرحان ببذخ بالغ، فمثلاً يصف أنيس منصور بأنه «تقافز بين الكلمات وفوق السطور وتحتها، أعلن انتماءه، ووقوفه هناك، ثم لم يقل شيئاً، ولم تعرف إن كان ما يعنيه أنيس مدحاً أم ذماً، لكنك ستعرف يقيناً أنه متناقض» كما يشبهه بـ«حلاق ثرثار، يطرقع بالمقص فوق الشعر، وحوله، ولا يقص شيئاً»، وبالنسبة لمحمد سلماوي يقول إنه ثمة ملاحظة تخصه لا يستطيع كتمانها: «إن سلماوي يؤكد انتماءه لفكر بعينه وممارسة بعينها. ولعله يستمد بعض قيمته من هذا الانتماء، فكيف يفسر – في ضوء هذا الانتماء ذاته – ارتباطه الذي لا ينفصم حتى اليوم – برشاد رشدي؟».
الشاهد السابع
محمد سلماوي: رشاد رشدي أستاذي والبعض بتعّمدون خلط الأوراق
هناك حكاية لا بد من سردها من باب الأمانة الصحفية تجمع محمد سلماوي وفاروق عبدالقادر. فقبل وفاة الأخير بقليل ناشد المثقفون اتحاد الكتّاب ليتكفل بعلاجه، وكانت هناك عقبة تواجه محمد سلماوي رئيس الاتحاد وقتها، إذ أن فاروق لم يكن عضواً بالاتحاد وبالتالي لا يمكن أن يُصدِر قراراً بعلاجه، لكنه بدأ إجراءات سريعة جداً لمنحه العضوية لم تستغرق سوى ساعات، ثم أصدر قرار العلاج بعدها. كان موقفاً ممتازاً من سلماوي الذي نسى تماماً أي خلاف سابق مع عبدالقادر، الذي لم يتردد سابقاً في انتقاده ضمن من انتقدهم بقسوة.
قرأت على مسامع سلماوي سؤال عبدالقادر: «كيف تفسر في ضوء انتمائك لجبهة أخرى ارتباطك برشاد رشدي؟» فقال: «أنا مدين لرشاد رشدي بالأستاذية، ومع ذلك كان في طريق وأنا في طريق آخر، كان مع السادات ومستشاره، وأنا ضده وموجود في السجن، لكن هذا لا ينكر أنه أستاذي، وللأسف بعض الناس لا يفرّقون بين الأمور، ويخلطون الأوراق، ويتعاملون بمنطق إما أبيض أو أسود، وهذه مراهقة سياسية وفكرية، هؤلاء لو اختلفوا معك ستصبح كل الأمور بالنسبة لهم سوداء. فاروق عبدالقادر كان يهاجم أي علاقة لأي شخص برشاد رشدي، والأديب يعرف أن أي إنسان ليس مسطّحاً، وأنه متعدد الجوانب، ولا بد أن يفرّق كذلك بين الجانب الجيد، والجانب غير الجيد، ومثلاً لا يمكن أبداً أن أقول إن عصر السادات أو عبدالناصر كله سيئ، فلا بد أن نرى الجوانب المضيئة كذلك، النظرة الأحادية قاصرة، لقد اختلفنا على سبيل المثال مع توفيق الحكيم ونظرته لثورة يوليو التي تضمنها كتابه (عودة الوعي) فهل هذا يلغي أستاذيته وكونه الأب الروحي للمسرح العربي بأكمله؟ لا بد أن نمتلك القدرة على التفريق».
شرح محمد سلماوي في مذكراته «يوماً أو بعض يوم» أنه تعلم الأدب الإنجليزي على يد أستاذه رشاد رشدي، وكيف اختاره معيداً في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، جامعة القاهرة، كان سلماوي ابناً لثورة 23 يوليو ويرى أن السادات يُجهز على مبادئها، وعبّر عن ذلك الرأي بوضوح فاعتقلوه. أسأله: «ألم يحاول رشاد رشدي إثناءك عن معاداة السادات؟!» فقال: «كان أستاذاً، والأستاذ لا يغّير مبادئك، كان أكبر من كل ذلك. أتذكر جيداً ذلك اليوم من أيام 1970 حينما ذهبت إليه لأقدّم له استقالتي من الجامعة. كنت أفكر في أن أسوار الجامعة تحدّ رغبتي في تغيير الواقع، وقلت لنفسي: ماذا سيفعل أستاذ يُدرّس شكسبير في مجتمع تبلغ أميته 60 بالمائة؟! وكنت أفكر في أن العمل صحفياً سيساعدني. ذهبت إلى الأهرام بدعوة من الأستاذ محمد حسنين هيكل، وفي الأهرام لم أجد نفسي في قلب الواقع فحسب، وإنما أمتلك أحد أدوات صياغة هذا الواقع. المهم أنني وأنا أبوح لأستاذي رشاد رشدي برغبتي في الاستقالة سألني: عايز تشتغل صُحفي؟! (بضم الصاد) كان مندهشاً لكنه لم يقف أبداً أمام رغبتي، بل إنه كلّم عميد الكلية ليقبل الاستقالة، ومرة أخرى.. هذا هو معنى الأستاذية».
قصة صعود رشدي الصاروخية
ونكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ونرجو التعليق بأكمل لو كان الأمر يهمكم

عرض أقل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى