
بقلم– ياسر أحمد إبراهيم
اتصلتُ بصديقي في إحدى الدول العربية لأطمئن عليه، فجاءني صوته ممتزجًا بصافرات الإنذار.
كانت النبرة هادئة على نحوٍ يثير الدهشة، بل إننا تبادلنا الضحكات للحظات، كأننا نتحدّى الخوف بالسخرية، أو نختصر المشهد في عبارة واحدة: «وما قُدّر سوف يكون».
في الخلفية كانت الصفارات تعلو، تُذكّر بأن المنطقة تقف على حافة اضطراب جديد، وأن ما نراه ونسمعه ليس مشهدًا من فيلم سينمائي، بل واقعًا يختبر أعصاب الملايين.
ومع ذلك، بدا حديثنا كأنه لقطة من عمل درامي طويل، أبطاله سياسيون يتبادلون الرسائل بالنار قبل الكلمات، ويُحسنون إدارة التصعيد أكثر مما يُجيدون فن التفاوض.
منذ سنوات، اعتادت منطقتنا أن تستيقظ على أخبار مفاجئة؛ قرار هنا، ضربة هناك، وبيانات متبادلة لا تخلو من لغة التحدي.
وبين كل عنوان عريض، يبقى المواطن العادي هو الثابت الوحيد في معادلة القلق.
العامل الذي خرج باحثًا عن رزقه، الطبيب الذي يداوم في مستشفى مزدحم، المهندس الذي يُكمل مشروعه رغم الارتباك، والأم التي تحاول أن تُطمئن أبناءها بأن الأمور “تحت السيطرة”.
ضحكتي وصديقي لم تكن استخفافًا بالخطر، بل كانت نوعًا من المقاومة الهادئة. ففي زمن الصخب، يصبح التماسك فضيلة، وتتحول الطمأنينة إلى فعل شجاعة.
لم نكن نتحدث في السياسة بقدر ما كنا نتشبث بفكرة أن الحياة يجب أن تستمر، وأن الإنسان أكبر من ضجيج اللحظة.
تذكرتُ حينها آلاف المصريين العاملين بالخارج، الذين خرجوا من وطنهم طلبًا للرزق، حاملين أحلام أسر كاملة.
هؤلاء لا يملكون ترف قراءة المشهد من بعيد، هم يعملون بجدّ، ويواجهون المخاوف بصبر، ويؤمنون أن الكدّ الشريف هو طريق الكرامة.
لهذا دعوتُ لصديقي بالسلامة، ودعوتُ لكل المغتربين المصريين في كل مكان: أن يحفظهم الله من كل سوء، وأن يُبدّل القلق أمنًا، وأن تعود المنطقة إلى رشدها قبل أن تُستنزف أكثر.
قد تتغير العناوين، وتتبدل المواقف، وتعلو صافرات الإنذار ثم تخفت، لكن يبقى الأمل هو الصوت الأصدق. الأمل في أن يسود صوت العقل، وأن تُدار الخلافات بالكلمة لا بالصاروخ، وبالتفاوض لا بالتصعيد.
في نهاية المكالمة، خفتت الصفارات قليلًا، وبقي صوته واضحًا وهو يقول: “اطمئن.. نحن بخير”
أغلقت الهاتف، لكن الدعاء ظل مفتوحًا.




