مقالات

د. حامد نبيل يكتب: حين تتباعد العقول … فجوة المعرفة بين الأجيال وتحديات العصر

أجيال على ضفتي المعرفة … من يبني جسور التواصل؟

لم تعد الفجوة بين الأجيال مجرد اختلاف طبيعي في الأعمار أو الخبرات، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى تباعد معرفي حقيقي، يتسع بوتيرة مقلقة بفعل التسارع التكنولوجي والتحولات الاقتصادية والاجتماعية العميقة. ففي عالم تتضاعف فيه المعرفة كل بضع سنوات، لم يعد التحدي مقتصرًا على إنتاج المعلومة، بل على القدرة على استيعابها، وتوظيفها، ونقلها بين الأجيال دون انقطاع أو تشويه.

وتشير تقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن أكثر من 60% من الوظائف الحالية ستتطلب مهارات رقمية أساسية على الأقل خلال السنوات القليلة المقبلة، في حين لا تزال شرائح واسعة من القوى العاملة، خاصة من الفئات العمرية الأكبر، تعاني فجوة واضحة في هذه المهارات. ولا يعكس هذا الواقع ضعفًا في الكفاءة بقدر ما يكشف خللًا في منظومة التعلُّم المستمر، ويؤكد أن فجوة المعرفة ليست قدرًا عمريًا، بل نتيجة سياسات تعليمية وتدريبية غير متوازنة.

في المقابل، يمتلك الجيل الأصغر قدرة فائقة على الوصول السريع إلى المعلومات عبر المنصات الرقمية ومحركات البحث، إلا أن هذه الوفرة المعرفية لا تعني بالضرورة عمق الفهم. فقد أوضحت دراسات حديثة أن الاعتماد المفرط على المعرفة السريعة قد يُضعف مهارات التحليل النقدي واتخاذ القرار طويل الأجل، وهي مهارات تشكَّلت تاريخيًا من خلال الخبرة والتجربة المتراكمة لدى الأجيال الأكبر.

وهنا تتجلى المفارقة بين جيل يعرف كثيرًا وبسرعة، وجيل يعرف بعمق ولكن بوتيرة أبطأ. وتتخذ فجوة المعرفة بعدًا أكثر حساسية في سوق العمل. فوفقًا لتقارير الموارد البشرية العالمية، فإن فشل نسبة كبيرة من مشروعات التحول الرقمي لا يرجع لضعف التكنولوجيا، بل يكون نتيجة مقاومة داخلية ناتجة عن سوء الفهم بين أجيال مختلفة داخل المؤسسات. ففي حين يرى بعض أصحاب الخبرة الطويلة أن التكنولوجيا تهدد مكانتهم، ينظر بعض الشباب إلى الخبرة التقليدية باعتبارها عقبة في سبيل التحديث. ويؤدي هذا الصدام الصامت إلى هدر الخبرات، وتراجع الإنتاجية، وغياب التكامل الذي يُفترض أن يكون مصدر قوة لا نقطة ضعف.

أما على المستويين الاجتماعي والثقافي، تتجاوز فجوة المعرفة حدود العمل لتطال أنماط التفكير والقيم. فالأجيال التي نشأت في سياقات أكثر استقرارًا تميل إلى التدرج والحذر، بينما تميل الأجيال الرقمية إلى السرعة والمغامرة والتجربة. ومع ضعف قنوات الحوار الأسري والمجتمعي، تتحول هذه الاختلافات إلى أحكام متبادلة، حيث يُتهم الكبار بالجمود، ويُتهم الشباب بالسطحية أو التمرد، في حين أن جوهر المشكلة يكمن في غياب الفهم المشترك لا في سوء النوايا. وتزداد خطورة الفجوة حين تنعكس على مستوى صناعة القرار. ففي العديد من المؤسسات، تُصاغ السياسات بعقلية لا تعكس الواقع الرقمي المتغير، أو تُنفذ بأدوات حديثة دون استيعاب فلسفتها. ويؤدي هذا الانفصال بين الرؤية والتنفيذ إلى قرارات محدودة الأثر، ويُضعف قدرة المؤسسات على الابتكار والاستجابة للتغيرات السريعة. ولا يمكن الحد من فجوة المعرفة بين الأجيال بإقصاء طرف لحساب آخر، بل ببناء جسور تواصل معرفي حقيقية. فقد أظهرت التجارب الناجحة في بعض الدول أن برامج التوجيه العكسي؛ حيث يقوم الشباب بتدريب القيادات الأكبر على المهارات الرقمية، مقابل نقل الخبرات الإدارية والمهنية، ساعدت على رفع كفاءة الأداء وتعزيز الثقة المتبادلة. كما أثبتت برامج التعلُّم مدى الحياة، المدعومة بسياسات واضحة، قدرتها على تمكين الأفراد من مواكبة التغيير دون شعور بالتهديد أو التهميش.

إن فجوة المعرفة بين الأجيال ليست أزمة تقنية ولا صراعًا ثقافيًا بقدر ما هي اختبار لمرونة المجتمعات وقدرتها على إدارة التنوع. فحين تلتقي حكمة التجربة مع طاقة الابتكار، يتحول الاختلاف إلى رافعة للتقدم. أما حين يُترك هذا الاختلاف دون إدارة واعية، فإنه يتحول إلى قطيعة تُضعف الحاضر وتُربك المستقبل. ومن هنا، فإن سد -أو على الأقل- تضييق فجوة المعرفة لم يعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة تنموية لا تحتمل التأجيل أو التراخي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى