مقالات

خطة مالية لخفض الدين العام بحلول 2030 …. هل ينجح الإصلاح المالي في كسر قيود الدين دون إثقال كاهل المواطن؟

بقلم د. حامد نبيل

أعاد إعلان وزارة المالية عن استهداف خفض دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 ملف الدين العام إلى واجهة النقاش الاقتصادي. فالإعلان، رغم ما يحمله من طموحٍ مشروع، إلا أنه يطرح أسئلة مباشرة حول قدرة السياسات المالية الحالية على ترجمة هذا الهدف إلى واقع ملموس، لا سيما في ظل بيئة اقتصادية تتسم بتشابك التحديات المعيشية وتزايد المطالب الاجتماعية. فخفض الدين إلى هذا المستوى لا يمكن النظر إليه باعتباره تحسنًا محاسبيًا فحسب، بل هو انعكاس لمحاولة إعادة ترتيب أولويات المالية العامة، وتقليص المساحات التي يلتهمها الدين من الموازنة، لا سيما فيما يتعلق بخدمة الفوائد. فالدين المرتفع يفرض قيودًا صارمة على توجيه الموارد نحو الاستثمار في التنمية والخدمات، في حين أن تراجعه يُتيح للدولة قدرًا أكبر من المرونة في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية ويُعزِّز ثقة المستثمرين في استقرار المسار المالي.

وتضع الحكومة في مقدمة أدواتها لتحقيق هذا الهدف، الاستمرار في تسجيل فائض أوْلي بالموازنة العامة. ويُعد هذا المؤشر دلالةً على تحسُّن إدارة الموارد؛ إذ يعني أن الإيرادات باتت قادرة على تغطية المصروفات الجارية دون الحاجة إلى اقتراض جديد لتمويلها. غير أن التحدي الحقيقي لا يرتبط بتحقيق هذا الفائض في فترة ٍمحدودة، بل بقدرة الدولة على الحفاظ عليه بشكلٍ منتظم في ظل ضغوط الإنفاق الاجتماعي واحتياجات الاستثمار في البنية الأساسية والخدمات العامة. وعلى مستوى الإيرادات، تؤكد وزارة المالية أن زيادة موارد الموازنة، وبخاصة الحصيلة الضريبية، لن تأتي بفرض أعباء جديدة على المواطنين، وإنما من خلال إصلاحات هيكلية في النظام الضريبي ذاته، تشمل توسيع القاعدة الضريبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين كفاءة التحصيل، والاستفادة من التحول الرقمي في الحد من التهرب الضريبي. وهذه المسارات، إذا ما نُفذَّت بفعالية، فتسمح بزيادة الإيرادات دون التأثير المباشر على دخول الأفراد أو رفع معدلات الضرائب القائمة.

وفي المقابل، تُعوِّل الحكومة على تراجع أسعار الفائدة في تقليص تكلفة خدمة الدين، وهو عامل بالغ التأثير في ضوء الوزن النسبي الكبير للفوائد ضمن المصروفات العامة. إلا أن هذا المسار يظل مرهونًا بتطورات السياسة النقدية محليًا وعالميًا، مما يجعله عنصرًا مساعدًا لا يمكن الاعتماد عليه بشكلٍ مطلق، ويستلزم إدارة دقيقة لتجنب تعريض الموازنة لمخاطر التقلبات. وتشمل أدوات خفض الدين كذلك، الاستفادة من عوائد برنامج التخارج من بعض الأصول العامة، إلى جانب تفعيل آليات مبادلة الديون بالاستثمارات. وتعكس هذه السياسات توجهًا نحو إدارة أكثر كفاءة للأصول والالتزامات، بدلًا من الاعتماد المستمر على الاقتراض. إلا أن فعاليتها هي الأخرى تظل مشروطة بمستوى الشفافية وجودة المشروعات التي يتم توجيه الاستثمارات إليها، بما يساعد على تعزيز القدرة الإنتاجية للاقتصاد وليس فقط تحسين المؤشرات على الورق.

وفي السياق نفسه، يُمثِّل تطوير إدارة هيكل الدين عنصرًا لا يقل أهمية عن خفضه اسميًا. فتنويع أدوات الاقتراض، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وإطالة آجال الاستحقاق، كلها إجراءات من شأنها الحد من مخاطر إعادة التمويل والتخفيف من الضغوط السنوية على الموازنة العامة، حتى وإن لم ينعكس أثرها سريعًا في انخفاض نسبة الدين، إلا أن هذه السياسات تُعزِّز استدامة الدين وتحُد من مخاطره على المدى المتوسط.

ويبقى التساؤل الأهم مطروحًا بشأن مدى إمكانية تحقيق هذا المسار دون تحميل المواطنين أعباء إضافية. فالحكومة تمتلك بالفعل حزمة أدوات واسعة، إلا أن نجاحها يظل مرهونًا بتحسين كفاءة الإنفاق العام، وضبط أولويات الموازنة، ومكافحة الهدر، وربط السياسة المالية باستراتيجية اقتصادية داعمة للنمو وخلق فرص العمل. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اللجوء إلى حلول سريعة تعتمد على زيادة الأعباء المباشرة، قد يوفر موارد آنية، غير أنه يحمل مخاطر إضعاف النمو وتقويض أهداف الإصلاح. ومن ثم يمكن القول إن خفض دين أجهزة الموازنة إلى أقل من 70% بحلول عام 2030 يظل هدفًا قابلًا للتحقيق من الناحية النظرية، ومدعومًا بإجراءاتٍ واضحة. غير أن المحك الحقيقي يتمثَّل في مدى قدرة الدولة على تنفيذ هذه السياسات بقدرٍ عالٍ من الانضباط والاستمرارية، وتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح المالي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، بما يُحوِّل هذا الهدف من مجرد إعلانٍ طموح إلى واقعٍ اقتصادي ملموس ينعكس أثره على الدولة والمواطن معًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى