
من أقوى من النواب؟ يأتي هذا العنوان، وقد يبدو التساؤل مستفزًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط:
المواطن، حين يمتلك حقًا واضحًا ويطالب به بالطرق السلمية والقانونية، يكون أقوى من أي نائب، أيًّا كان موقعه.
القوة هنا لا تعني الصدام مع أي مؤسسة أو جهة، ولا رفع الصوت بلا سند، بل تعني رفع حالة الالتباس، وتوضيح الحق، والتمسك به، والصبر في المطالبة، والإصرار على اتباع المسار القانوني الصحيح.
وتتجلى هذه القوة حين يعلن المواطن عن وقوع ضرر عليه، ويمتلك مستنداته أو دلائله، ويلتزم بالقانون، فيضع نفسه في موقع قوة حقيقي، أو حين يُظهر بوضوح انتهاكًا أو ضررًا وقع عليه دون وجه حق.
والملاحظ أن كل النداءات التي يطلقها أصحاب الحقوق للاستغاثة بالسيد رئيس الجمهورية، أو بالوزراء المعنيين، أو بالمحافظين، تُعد إحدى الوسائل المشروعة لجذب الاهتمام العام، مع الحفاظ على المسار القانوني وعدم الخروج عنه، وقطع الطريق على أي تلاعب.
وكمثال، مررتُ بتجربة شخصية تؤكد هذا المعنى؛
حين واجهت مشكلة تتعلق بحقوقي مع شركة كبرى كنت أعمل بها، سواء فيما يخص مستحقاتي أو معاشي، لم ألجأ إلى نائب، ولم أطلب تدخلًا خاصًا.
سلكت الطريق القانوني، وقدّمت طلبي بوضوح، واعتمدت — بعد الله — على قوة الحق وحده.
يظل الأصل هو وعي المواطن وفهمه لحقه؛ لأن أصل الاستجابة من المسؤولين يظل قائمًا على عدالة المطالبة نفسها وقانونيتها.
وفي السنوات الأخيرة، أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي أنها أداة فعّالة في كثير من القضايا، متى استُخدمت بشكل مسؤول.
فالنشر من أجل إظهار حق، أو الإشارة إلى وقوع ضرر، أصبح في حالات كثيرة عامل ضغط إيجابي يسرّع الحلول ويعيد التوازن.
في المقابل، يظل النائب — سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ — مقيّدًا بإجراءات وبروتوكولات، وقد يقتصر دوره أحيانًا على تدخل غير رسمي أو متابعة، وتكون الاستجابة لذلك مرتبطة في الأساس بقوة قضية المواطن، وصموده، وإدراكه لحجم الانتهاك أو الضرر الواقع عليه.
لهذا، فإن الحقيقة البسيطة هي:
القضية العادلة أقوى من أي موقع،
والحق الواضح أقوى من أي علاقة،
والمواطن، حين يعرف حقه ويتمسك به بهدوء ووعي، يكون — في ميزان الواقع — أقوى من النواب.
ومع ذلك، يظل للنواب دور مهم في تسهيل حياة المواطنين، سواء عبر التشريع المنحاز لمصالح الناس وما يمس حياتهم اليومية، أو حين يتحول التضامن مع قضية عامة تخص قطاعًا واسعًا من المجتمع إلى إجراء برلماني فعّال، باستخدام الأدوات الرقابية المتاحة، مثل طلب الإحاطة أو السؤال البرلماني، بما يضمن متابعة القضية رسميًا ورفع الضرر بشكل قانوني.
أما ما كان يحدث قديمًا من تدخل لصالح ظلم، أو الضغط على مواطن صاحب حق لترك حقه، فقد تراجع كثيرًا في عصر أصبحت فيه الرقابة العامة ووسائل التواصل الاجتماعي منتشرة ومحل اهتمام الجميع.
ورغم ذلك، وبمنتهى الواقعية، لا تزال بعض الانتهاكات تحدث أحيانًا، لكن من يواجهها بحقه ووعيه يصل إلى حقه في النهاية.




