مقالات

د. حامد نبيل يكتب : التمثيل البرلماني بين التفويض الشعبي ومقتضيات المساءلة … قراءة في دور النواب الجدد

مع بدء فصل تشريعي جديد، يدخل النواب الجدد قاعة البرلمان وهم يحملون على عاتقهم أمانة ثقيلة. فالمقعد النيابي لم يعد مجرد وجاهة اجتماعية، ولا منصة خطابية، ولا بطاقة عبور للمصالح الشخصية، بل أصبح -في وعي الشارع – اختبارًا حقيقيًا للضمير الوطني والقدرة على الفعل.

لقد اختارهم المواطنون لا ليكونوا امتدادًا لنوابٍ سابقين غابوا عن دوائرهم، أو اكتفوا بالتصفيق والموافقة، أو حوَّلوا الرقابة إلى مجاملة، والتشريع إلى إجراءٍ شكلي. بل انتخبوهم أملًا في اختلافٍ حقيقي في الأداء، والجرأة، والانحياز للناس لا للسلطة أو النفوذ.

ويجب في البداية على النواب الجدد إدراك أن البرلمان ليس قاعة شرف، بل ساحة عمل شاق؛ تشريع واعٍ لا يُمرَّر على عجَل، ورقابة حقيقية لا تخشى السؤال، وحضور دائم بين الناس لا يقتصر على مواسم الانتخابات. فالناخب لم يمنح صوته ليُختزل دوره في صورةٍ تذكارية أو بيانٍ إنشائي، بل ليجد من ينقل صوته بصدق، ويدافع عن حقوقه بشجاعة، ويُصارح الحكومة لا أن يُجاملها، ويُعارض عندما يجب أن تُعارَض، ويدعم عندما يكون الدعم في صالح الوطن لا في صالح أشخاص.

إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه النواب الجدد هو الوقوع في فخ “الروتين النيابي” الذي ينطوي على الحضور الشكلي، والصمت المريح، والاختفاء خلف الأغلبية، والهروب من القضايا الشائكة بدعوى “الظروف”. فالشارع لم يعد ساذجًا، والناس باتوا يفرِّقون جيدًا بين نائبٍ يعمل ونائبٍ يتوارى، بين من يسأل باسمهم ومن يُساوِم باسمهم. كما أن تحقيق طموحات من انتخبوهم لا يكون بالخدمات الفردية وحدها، مهما كانت أهميتها، بل يتحقق أساسًا من خلال تشريعات عادلة تمس حياة المواطن، ومواقف واضحة في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ودفاع صريح عن العدالة الاجتماعية، ومساءلة حقيقية بشأن كل تقصير يمس معيشة الناس وكرامتهم.

والبرلمان القادم أمام فرصة نادرة، فإما أن يكون برلمان استعادة الثقة، أو أن يُضاف إلى قائمة البرلمانات التي مرَّت ولم تترك أثرًا. والتاريخ لا يتذكر عدد المقاعد، بل يتذكر المواقف. ولا يُخلِّد الأسماء، بل يُخلِّد من وقف مع الناس حين كان الصمت أسهل. فالرسالة واضحة، الناخبون لم يطلبوا معجزات، بل طلبوا صدقًا، واجتهادًا، واختلافًا حقيقيًا عما سبق. فهل يكون النواب الجدد على قدر هذا الأمل؟ الأيام وحدها ستُجيب، لكن البداية بأيديهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى