
لم يكن توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مكة المكرمة مجرد خطوة عسكرية جديدة، بل جاء كتطور استراتيجي يفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول مستقبل منظومة الأمن في الخليج، وطبيعة التحالفات التي يجري بناؤها في المنطقة، وما إذا كانت دول الخليج لا تزال تتحرك تحت مظلة أمنية واحدة، أم أن كل عاصمة بدأت ترسم لنفسها شبكة تحالفات تتناسب مع رؤيتها الخاصة لمصادر التهديد.
الاتفاق الذي يحمل اسم «اتفاق مكة للدفاع المشترك» ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، وهي صيغة وصفها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنها تشبه، من الناحية الفنية، مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ومع ذلك، أشارت أنقرة إلى أن طبيعة المساندة يمكن أن تتدرج من تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي إلى أشكال أخرى من المساعدة، وفقًا لطبيعة الظروف والتطورات. كما أكدت أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة بعينها.
لكن السؤال هنا ليس فقط: من وقع الاتفاق؟
بل السؤال الأهم: لماذا السعودية وتركيا وباكستان تحديدًا؟ ولماذا الآن؟
السعودية تمتلك بالفعل علاقات دفاعية تاريخية مع باكستان، كما أن الرياض وأنقرة قطعتا خلال السنوات الأخيرة شوطًا مهمًا في تطوير العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
إلا أن التطور اللافت يتمثل في انتقال هذه العلاقات من مستوى التعاون الثنائي إلى إطار دفاعي ثلاثي أكثر وضوحًا.
وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فوجود اتفاق دفاع مشترك لا يعني بالضرورة أن كل طرف سيدخل حربًا مفتوحة فور تعرض حليف له لهجوم. فالتجارب الإقليمية السابقة تؤكد أن الدول تفرق عادة بين التضامن السياسي، والدعم الاستخباراتي واللوجستي، والمشاركة العسكرية المباشرة.
وبالتالي، فإن قوة «اتفاق مكة» لن تُقاس فقط بنصوصه، وإنما بمدى قدرته على تحويل الالتزام السياسي إلى قدرة عسكرية مشتركة عندما تقع أزمة حقيقية.
ومن هنا تصبح القضية أكبر من إيران وحدها.
فالمنطقة تتحرك تدريجيًا نحو مفهوم جديد للأمن يقوم على تعدد الشراكات، بدلًا من الاعتماد على تحالف واحد أو مظلة أمنية منفردة.
وقد يكون تفسير الاتفاق باعتباره تحالفًا سنيًا في مواجهة إيران هو التفسير الأسرع والأكثر تداولًا، لكنه لا يبدو كافيًا لفهم المشهد بصورة دقيقة.
فالتحالف يضم ثلاث دول ذات حسابات جيوسياسية مختلفة، ولا يمكن اختزال مصالحها في البعد المذهبي.
تركيا لديها مصالحها الخاصة في سوريا والعراق وشرق المتوسط والبحر الأسود، بينما تنظر باكستان إلى أمنها من زاوية مختلفة تمامًا، وفي مقدمتها الهند وأفغانستان والتوازنات الآسيوية، فضلًا عن علاقتها التاريخية بالسعودية.
أما السعودية، فتركز بصورة أكبر على حماية أراضيها وممراتها البحرية ومنشآتها الحيوية، ومواجهة التهديدات الصاروخية والطائرات المسيّرة والجماعات المسلحة المرتبطة بالصراعات الإقليمية.
لذلك، فإن الحديث عن «تحالف سني ضد الشيعة» قد يكون تبسيطًا مخلًا لتحالف أكثر تعقيدًا، تحكمه اعتبارات الأمن والمصالح والجغرافيا السياسية، أكثر مما تحكمه الاعتبارات المذهبية وحدها.
بل إن الموقف الإيراني نفسه من الاتفاق يستحق المتابعة، خصوصًا أن الاتفاق لم يسمِّ طهران عدوًا بشكل صريح.
وهنا تظهر الحلقة الأهم في المشهد: مصر.
فمصر ليست بعيدة عن هذا الترتيب الجديد، بل كانت أصلًا جزءًا من إطار تشاوري رباعي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان.
وفي يونيو 2026، استضافت القاهرة الاجتماع الرابع لوزراء خارجية مجموعة «R4»، التي تضم الدول الأربع، وتركزت مباحثاتها على الاستقرار الإقليمي وخفض التصعيد والأمن في الشرق الأوسط.
والأكثر أهمية أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أعلن أن الباب مفتوح أمام انضمام دول أخرى إلى الاتفاق، وذكر مصر تحديدًا باعتبارها دولة مرشحة للانضمام بعد استكمال الترتيبات الفنية.
وهنا يمكن فهم لماذا تبدو مصر مهمة للغاية في أي منظومة أمن إقليمية جديدة.
فمصر ليست مجرد قوة عسكرية كبيرة، وإنما تمتلك موقعًا استراتيجيًا يتحكم في مدخل البحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط، كما أن لديها خبرة واسعة في التعامل مع ملفات أمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، والتوازنات العربية والإقليمية.
كما أن القاهرة يمكن أن تؤدي دورًا مختلفًا عن الدور العسكري المباشر؛ فهي تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية تجعلها قادرة على الجمع بين الردع والتفاوض ومنع اتساع نطاق الصراع.
ولذلك فإن انضمام مصر ـ إذا تم ـ قد يحول الاتفاق من تحالف ثلاثي إلى منظومة إقليمية أوسع بكثير.
والسؤال هنا ليس فقط: هل ستنضم مصر؟
بل الأهم: هل تريد القاهرة أن تكون جزءًا من تحالف دفاعي مغلق، أم أن دورها سيكون أكبر في بناء منظومة أمن إقليمية تضم أطرافًا متعددة؟
وهذا فارق جوهري.
في المقابل، تبدو الإمارات وكأنها تبني لنفسها شبكة تحالفات استراتيجية خاصة.
فالعلاقات الإماراتية ـ الهندية شهدت خلال مايو 2026 توسعًا في مجالات الأمن والدفاع والبنية التحتية البحرية والطاقة والتكنولوجيا، ضمن شراكة استراتيجية شاملة بين أبوظبي ونيودلهي.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الإمارات تقف في معسكر مقابل للسعودية.
الأدق أن أبوظبي تبدو وكأنها تنتهج سياسة تنويع الشراكات الاستراتيجية.
فالإمارات لديها علاقات قوية مع الولايات المتحدة، وشراكات متنامية مع الهند، وعلاقات متعددة مع قوى آسيوية ودولية، وفي الوقت نفسه تحافظ على موقعها داخل المنظومة الخليجية.
وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم تنضم الإمارات إلى اتفاق مكة؟
وإنما: هل ترى أبوظبي أن أمنها القومي يحتاج إلى تحالف واحد، أم إلى شبكة تحالفات متعددة؟
وهنا تكمن أهمية العلاقة الإماراتية ـ الهندية؛ فالهند قوة آسيوية كبرى، ولها مصالح مباشرة في أمن الخليج والمحيط الهندي وطرق التجارة والطاقة.
أما قطر، فتقف في منطقة شديدة الحساسية.
فالدوحة تربطها علاقات دفاعية وأمنية قوية مع تركيا، كما تستضيف قاعدة العديد الأميركية، وتمتلك شبكة علاقات دبلوماسية واسعة تسمح لها بلعب أدوار الوساطة والتفاوض.
ومن ثم فإن دخول قطر في تحالف دفاعي ثلاثي قد يفرض عليها إعادة ترتيب مجموعة من حساباتها، خصوصًا أن قوتها الاستراتيجية لا تعتمد فقط على القدرات العسكرية، وإنما أيضًا على قدرتها على التواصل مع أطراف متعارضة.
ولهذا قد تفضل الدوحة الحفاظ على مرونة استراتيجية بدل الانضمام المباشر إلى تحالف عسكري جديد.
وقد يكون هذا هو أحد أسباب بقاء قطر في مساحة مختلفة عن الاتفاق الثلاثي، رغم قربها من تركيا وعلاقاتها الوثيقة مع السعودية.
وربما يكون غياب الكويت والبحرين عن اتفاق مكة من أكثر الأسئلة التي تستحق التوقف عندها.
فالدولتان من أقرب حلفاء السعودية داخل مجلس التعاون، ولديهما ارتباطات أمنية وعسكرية عميقة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.
لكن عدم التوقيع لا يعني بالضرورة وجود خلاف مع الرياض.
وقد تكون هناك أسباب استراتيجية وراء إبقائهما خارج الاتفاق في هذه المرحلة.
فالكويت تاريخيًا تميل إلى لعب دور الوسيط وخفض التصعيد، ولذلك فإن الدخول في تحالف دفاعي جديد قد يحد من هامشها الدبلوماسي.
أما البحرين، فحساباتها الأمنية مختلفة بسبب موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدفاعية القائمة، فضلًا عن وجود ترتيبات أمنية دولية راسخة على أراضيها.
ومن ثم، قد يكون القرار ببساطة هو عدم تكرار مظلات أمنية متعددة فوق بعضها البعض.
لكن يبقى السؤال مفتوحًا:
إذا كان الاتفاق الثلاثي يمثل نواة لمنظومة أمن جديدة، فهل ستنضم الكويت والبحرين لاحقًا؟ أم ستفضلان البقاء تحت المظلة الخليجية والأمنية القائمة؟
هنا نصل إلى أخطر نقطة.
فمجلس التعاون الخليجي تأسس على فكرة أن أمن دوله مترابط، وأن أي تهديد لدولة خليجية يمكن أن تكون له تداعيات على بقية الدول.
لكن ظهور تحالفات دفاعية خارج الإطار الخليجي قد يعني أن مفهوم «الأمن الجماعي الخليجي» بدأ يتغير.
السعودية تتجه نحو شراكات مع تركيا وباكستان.
الإمارات توسع شراكاتها مع الهند.
قطر تحافظ على علاقاتها مع تركيا والولايات المتحدة، إلى جانب دورها الدبلوماسي.
الكويت تتمسك بهامشها الوسطي.
والبحرين ترتبط بمنظومة أمنية دولية وخليجية شديدة الخصوصية.
أما مصر، فتقف على مسافة استراتيجية تسمح لها بالتعاون مع السعودية وتركيا وباكستان، مع احتفاظها بعلاقات إقليمية ودولية واسعة.
وهكذا لا تبدو المنطقة أمام «انقسام خليجي» مباشر، بقدر ما تبدو أمام إعادة توزيع لمراكز القوة والتحالف.
وهذا هو السؤال الذي لا يجيب عنه اتفاق مكة.
ماذا لو وقع خلاف سعودي ـ إماراتي حول ملف إقليمي؟
ماذا لو تعارضت مصالح تركيا مع مصالح دولة خليجية؟
وماذا لو نشب صراع بين الهند وباكستان وانعكس على العلاقات الخليجية؟
هل يمكن أن تتحول شبكة التحالفات الجديدة من أدوات لحماية الدول إلى أدوات تضغط بها الدول على بعضها البعض؟
هذه ليست سيناريوهات مؤكدة، لكنها أسئلة يجب أن تُطرح عند تحليل أي منظومة أمنية متعددة الأطراف.
فكلما زادت التحالفات، زادت معها القوة الرادعة، لكن في المقابل قد تزداد أيضًا تعقيدات الالتزامات المتبادلة.
وفي هذا المشهد المتشابك، يمكن لمصر أن تلعب دورًا يتجاوز فكرة «العضو الرابع».
فالقاهرة تستطيع أن تكون جسرًا بين الخليج والقوى الإقليمية، وأن تدفع باتجاه صياغة مفهوم أوسع للأمن العربي والإقليمي، لا يقوم على الاستقطاب المذهبي، ولا على تقسيم المنطقة إلى معسكرات متصارعة.
والتعاون العسكري المصري ـ التركي المتنامي يقدم مؤشرًا إضافيًا على إمكانية بناء شراكات تتجاوز الخلافات السابقة؛ ففي يوليو 2026 شاركت القوات المصرية والتركية في تدريب عسكري مشترك «النسر الذهبي 2026» في مصر.
وهنا يمكن أن تصبح مصر عنصر توازن بين السعودية وتركيا، وبين الخليج والقوى الإقليمية الأخرى، بدلًا من أن تكون مجرد طرف إضافي في تحالف عسكري.
اتفاق مكة لا يقول إن إيران هي العدو.
ولا يقول إن دول الخليج انقسمت.
ولا يعني أن تحالفًا عسكريًا جديدًا قد اكتمل.
لكنه يكشف شيئًا أكثر أهمية:
أن دول المنطقة بدأت تعيد تعريف أمنها القومي بصورة فردية ومتعددة المسارات.
السعودية تريد مظلة ردع أوسع.
تركيا تريد تعزيز موقعها كقوة إقليمية.
باكستان تبحث عن توسيع دورها خارج جنوب آسيا.
الإمارات تنوع شراكاتها شرقًا وغربًا.
قطر تحافظ على مرونتها الاستراتيجية.
الكويت تتمسك بدورها المتوازن.
والبحرين تتحرك داخل شبكة أمنية خليجية ودولية شديدة الحساسية.
أما مصر، فقد تجد نفسها أمام فرصة تاريخية للعب دور محوري في صياغة منظومة الأمن الإقليمي الجديدة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل اتفاق مكة تحالف ضد إيران؟
بل:
هل نحن أمام ولادة نظام أمني جديد في الشرق الأوسط، لا يعتمد على تحالف واحد، وإنما على شبكة من التحالفات المتقاطعة؟
وإذا كان الأمر كذلك، فإن انضمام مصر ـ أو عدم انضمامها ـ سيكون أحد أهم المؤشرات على شكل هذا النظام.
فإذا انضمت القاهرة، فقد يتحول الاتفاق من تحالف سعودي ـ تركي ـ باكستاني إلى نواة لمنظومة أمن إقليمية أوسع.
أما إذا بقيت مصر في إطار «R4» التشاوري، فقد تكون القاهرة اختارت لنفسها دورًا أكثر استقلالًا: صانع توازن لا طرفًا في محور.
وفي كلتا الحالتين، فإن الخليج لن يكون كما كان قبل اتفاق مكة.
فالمسألة لم تعد مجرد اتفاقية دفاع.
إنها بداية اختبار حقيقي لمستقبل الأمن الخليجي:
هل تستطيع دول الخليج بناء منظومة أمن جماعي واحدة؟
أم أن المرحلة المقبلة ستشهد خليجًا متعدد التحالفات، متعدد مراكز القوة، ومتعدد تعريفات الخطر؟
وهنا تحديدًا تكمن أهمية «اتفاق مكة»…
ليس لأنه أعلن عن عدو جديد، وإنما لأنه ربما أعلن عن طريقة جديدة لرسم خريطة التحالفات في المنطقة.
البحرين تتحرك داخل منظومة أمنية شديدة الحساسية.
ومصر تقف أمام فرصة استثنائية لإعادة تقديم نفسها كقوة توازن وصاحبة دور في صياغة قواعد الأمن الإقليمي.
وفي هذا المشهد، قد لا يكون مستقبل الخليج في إنشاء حلف واحد كبير.
بل في القدرة على إدارة شبكة معقدة من التحالفات دون أن تتحول هذه الشبكة إلى صراع بين الحلفاء أنفسهم.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بزيادة عدد الاتفاقيات العسكرية، وإنما بوجود قواعد تمنع سوء الحساب، وآليات تمنع التصعيد، وقنوات تظل مفتوحة حتى في أصعب الأزمات.
ومن هنا، فإن أهمية «اتفاق مكة» لا تكمن فقط في الدول الثلاث التي وقعت عليه، وإنما في الدول التي قد تنضم إليه، والدول التي ستبقى خارجه، والدول التي ستختار بناء ترتيبات أمنية موازية.
أما مصر، فستظل في قلب هذا الحساب.
فإذا اختارت الانضمام، فقد تمنح الاتفاق وزنًا عربيًا واستراتيجيًا أكبر.
وإذا اختارت البقاء في الإطار التشاوري، فقد تكون قد اختارت دورًا أكثر اتساعًا من مجرد العضوية في تحالف.
وفي الحالتين، ستكون القاهرة أمام اختبار تاريخي:
هل تكتفي بأن تكون جزءًا من خريطة التحالفات الجديدة، أم تسعى إلى أن تكون واحدة من الدول التي ترسم هذه الخريطة؟
ربما تكون هذه هي المسألة الأهم التي فرضها «اتفاق مكة».
فالمعركة المقبلة لن تكون فقط على الحدود أو في البحر أو في الجو.
بل ستكون على من يملك القدرة على تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط، ومن يملك مفاتيح التوازن، ومن يستطيع منع المنطقة من التحول إلى مجموعة محاور متنافسة.
ومن مكة، قد تكون الرسالة الأهم قد بدأت بالفعل:
الشرق الأوسط يدخل عصر التحالفات المتقاطعة… ومصر أمام فرصة لأن تكون صانعة توازن، لا مجرد طرف في معادلة جديد.
البحرين تتحرك داخل منظومة أمنية شديدة الحساسية.
ومصر تقف أمام فرصة استثنائية لإعادة تقديم نفسها كقوة توازن وصاحبة دور في صياغة قواعد الأمن الإقليمي.
وفي هذا المشهد، قد لا يكون مستقبل الخليج في إنشاء حلف واحد كبير.
بل في القدرة على إدارة شبكة معقدة من التحالفات دون أن تتحول هذه الشبكة إلى صراع بين الحلفاء أنفسهم.
فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بزيادة عدد الاتفاقيات العسكرية، وإنما بوجود قواعد تمنع سوء الحساب، وآليات تمنع التصعيد، وقنوات تظل مفتوحة حتى في أصعب الأزمات.
ومن هنا، فإن أهمية «اتفاق مكة» لا تكمن فقط في الدول الثلاث التي وقعت عليه، وإنما في الدول التي قد تنضم إليه، والدول التي ستبقى خارجه، والدول التي ستختار بناء ترتيبات أمنية موازية.
أما مصر، فستظل في قلب هذا الحساب.
فإذا اختارت الانضمام، فقد تمنح الاتفاق وزنًا عربيًا واستراتيجيًا أكبر.
وإذا اختارت البقاء في الإطار التشاوري، فقد تكون قد اختارت دورًا أكثر اتساعًا من مجرد العضوية في تحالف.
وفي الحالتين، ستكون القاهرة أمام اختبار تاريخي:
هل تكتفي بأن تكون جزءًا من خريطة التحالفات الجديدة، أم تسعى إلى أن تكون واحدة من الدول التي ترسم هذه الخريطة؟
ربما تكون هذه هي المسألة الأهم التي فرضها «اتفاق مكة».
فالمعركة المقبلة لن تكون فقط على الحدود أو في البحر أو في الجو.
بل ستكون على من يملك القدرة على تعريف مفهوم الأمن في الشرق الأوسط، ومن يملك مفاتيح التوازن، ومن يستطيع منع المنطقة من التحول إلى مجموعة محاور متنافسة.
ومن مكة، قد تكون الرسالة الأهم قد بدأت بالفعل:
الشرق الأوسط يدخل عصر التحالفات المتقاطعة… ومصر أمام فرصة لأن تكون صانعة توازن، لا مجرد طرف في معادلة جديد




