
محمد عنانى
لم يكن سيد القمني سوى رجلٍ مأجورٍ للتشكيك في الإسلام. لا أستطيع أن أتخيل أنه نادى على عامل المسجد الذي يبعد عن منزله ثلاثين متراً؛ وعندما حضر العامل متوهماً أن القمني سيعطيه بقشيشاً، فوجئ بأن نصيبه كان قلماً ولطمةً على وجهه. حاول العامل ضرب القمني، ثم أسرع إلى إمام المسجد يشكو له ما حدث، فأبلغ الإمامُ الشرطة، واتُّفق على منع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت؛ فقد كان القمني يكره صوت الأذان ويكره من يصلي أمامه.
الغريب أننا كنا نُمنع من الصلاة أو قراءة القرآن، وكثيراً ما وقع خلاف بيني وبين سيد القمني عندما حاول منعي من الصلاة، وكنت أرد عليه: والله لو جبت حسني مبارك نفسه سوف أصلي، مما جعله يبلغ جهة عملي التي أعطت التعليمات بعد إثارته بأن يتم ترويضهوالغريب أنه كان يسب القائمين على جهة عملي، وربما أسمعهم ذلك بنفسه، وكان الجميع يعملون على عدم إثارته لوجود مفاهيم قوية والكلام بين السطور، والعجيب أنني أبلغت مسؤولي جهة عملي بأنه يقوم بأعمال كثيرة ضد الإسلام، وكنت أعرض عليهم ذلك بشكل دوري، إلا أن أحداً منهم لم يهتم نهائياً، وكانت تعليماتهم لي هي: “لا تتدخل فيما يقول أو يكتب”.
في عهد ساويرس، كان سيد القمني يستضيف في شقته مَن يشاء دون أدنى رقابة أو تدقيق، وقد ذكرتُ سابقاً أنه كان يلتقي بإسرائيليين مراراً وتكراراً بدعوى أنهم صحفيون. لقد كان ساويرس هو مَن استقطب للقمني أفراد من منظمة “أدهوك”، ليتولوا تصويره ونشر تصريحاته في دول معادية للإسلام؛ فلم يسجل معه سوى المعادين للإسلام ومواقع تابعة لأقباط المهجر. كنت أشاهد هذا بنفسي، وأكاد أجنّ غضباً، حتى أوشكتُ على خسارة عملي بسبب اضطراري للحضور والاستماع لما يقولونه في حق الإسلام.
كان القمني يلتقي ساويرس كثيراً، وشهدتُ بنفسي تسليمه شيكات مالية؛ إذ كان القمني يتلقى أجراً نظير خدماته، وكان ساويرس يعامله باحتقار، فلا يتحدث إليه سوى دقائق معدودة قبل أن ينهي اللقاء بعبارة “سأتصل بك”. ورغم أن ساويرس اشترى له فيلا وسيارة ووفر له الخدم والحشم والأموال، إلا أنه كان ينظر إليه باستخفاف دائم، ولطالما شعرتُ بأن ساويرس كان مكرهاً على هذه العلاقة.
كنت أستمع إلى المكالمات والردود التي تتم بين مجدي خليل وموريس صادق وزكريا بطرس من جهة، وساويرس والقمني من جهة أخرى، وذلك أثناء وجودي في سيارة القمني بينما كان يقودها وفي المساء، يجتمعون في نادي روتاري المعادي بحضور جمال البنا وإبراهيم عيسى؛ ليتحدثوا عن كل ما طُرح خلال المكالمات التي تضمنت قصصاً غريبة وعجيبة، منها اتهام عمر بن الخطاب بصفات شاذة والسخرية منه، كما يدّعي القمني أمامهم أن عمر كان يعاكس السيدة عائشة ويقول لها: “عيناكِ كالقطة يا عائشة”.
وسط هذه الأقاويل والأفعال، دار بيني وبين أنيس منصور حديثٌ سألته فيه عن سبب مجالسته لهؤلاء القوم، رغم ما يتمتع به من اسمٍ كبير ومكانة مرموقة، فردّ عليّ متعجباً: “ألا يعجبك أستاذنا جمال البنا؟ يا حبيبي، جمال البنا وما أدراك ما جمال البنا!”. لم يكن أنيس منصور بعيداً عنهم في كل هذا التخطيط؛ فقد كان القمني يتردد عليه كثيراً في مكتبه بمجلة “أكتوبر” المطلة على النيل، وكنت أرافقه . كان من المفترض أن يسكن القمني في العمارة التي يملكها أنيس منصور في منطقة البحر الأعظم على النيل، لكن منصور طلب عشرة آلاف جنيه شهرياً، وهو مبلغٌ كان باهظاً جداً في ذلك الوقت.
كان سيد القمني على تواصل مستمر مع أنيس منصور، وكان صديقاً مقرباً منه، نظراً للعلاقة القوية التي كانت تربط أنيس وأسرته بسوزان مبارك والرئيس الأسبق؛ وهو الخيط الذي جعل القمني يحرص على القرب من أنيس منصور والاستفادة منه بالقدر الكافي بل كان إبراهيم عيسى يعمل في ذلك الوقت على توطيد صداقته مع أنيس منصور وكان أنيس منصور في ذلك الوقت مقرَّباً جداً من مبارك، وكان يتردّد على منزله كثيراً بصحبة زوجته رجاء حجاج، التي كانت تربطها صداقة بسوزان مبارك.
لقد عملتُ مع أنيس منصور عامين قبل أن أعمل مع سيد القمني، مما أتاح لي فرصة الحديث معه مطولاً؛ فكان حديثه أشبه بحديث رجل ريفي، ولم يكن في حقيقته سوى شخص نال ما ناله بفضل قربه من الرئيس مبارك وكل ما وصل إليه من شهرة هي من الرئيس مبارك، حتى رئاسته لمجلة أكتوبر.
ربما حظيت بلقاء الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في مكتب أنيس منصور المطلّ على النيل بالقرب من فندق هيلتون رمسيس، حيث بادر منصور بإجلاس ضيفه على كرسيه الخاص، بينما جلس هو على كرسيٍّ أمامه.
لا يعدُّ ما أكتبه موضوعاً عابراً، بل قضيةً من صميم الوطن؛ فما تطرحه مجموعةٌ مجهولة الهوية تنعت نفسها بـ “العلمانيين” يمثل تجاوزاً في أمور ديننا، وهذا هو التوصيف الدقيق لبدعتهم. إنهم يريدون انتزاعنا نحو “واحةٍ للحرية” في الاعتقاد، تقتضي ترك الطفل منذ مولده وحتى سن الخامسة عشرة -وهي سن البلوغ- بلا دين أو عقيدة، ثم يُعرض عليه بعدها مختلف الأديان ليختار منها ما يناسبه، مع حظر حديث الأبوين عن الدين أمام أطفالهما؛ كي لا يتأثروا بمعتقدات ذويهم.
وتحت ظلال هذه الأفكار، ومع السعي لتهميش دور الأزهر الشريف، ينبشون في ركام أفكارهم عما يمكن أن يكون بديلاً للإنسانية عن الإسلام الذي يرفضون نهجه في ضبط الاختلاط كما هو الحال في الدول الغربية، زاعمين أن الشاب والفتاة المسلمَين قد وقعا تحت “تأثير” الإسلام في طفولتهما، ويصفون ما يقوم به رجال الدين في المساجد والمؤسسات بأنه استبدادٌ بالحرية؛ إذ لا يقبلون أن يوجه الأبُ طفله إلى الصلاة، معتبرين ذلك تلقيناً قسرياً لعقلٍ صغيرٍ لا يعي سوى ما يمليه عليه أبواه أو شيخ المسجد.
أتحدث هنا عن أفكارٍ مُثبتة ومتداولة، نال صاحبها جائزة الدولة التقديرية من وزارة الثقافة المصرية، فضلاً عن جائزة مالية قدرها 300 ألف جنيه. أنا لا أطرح خرافات، ومن أراد التأكد فليطلع على كتاب “رب الزمان” الذي حاز مؤلفه على هذه الجائزة. أتناول اليوم أخطر قضايا العصر، متحملاً في سبيل ذلك كل أشكال التضييق، لكوني كنت في “المطبخ” الذي تُطبخ فيه هذه الأفكار السامة، والتي يُنفق على مروجيها مبالغ خيالية عبر حسابات بنكية مفتوحة؛ حيث يمتلك كلٌّ منهم دفتر شيكات من الجهة المموّلة يحدد به المبالغ التي تروق له. هذا واقعٌ يحدث الآن في مصر ضمن سيناريوهات كبرى، وقد أصبح الصوت العلماني عالياً؛ ويبدو أن هذه الأموال ذاتها هي التي عطلت الأزهر عن دوره الحقيقي، ليتحول من منارة للعلم إلى منارة للصمت.
لم يضع الأزهر صيغاً تفصيلية لحماية المسلمين من تلك “المافيا”، بل توقفت مطابعه؛ فلا كتاب يصدر ولا عالم يتحدث. إن ما أطرحه عليكم حقائق تتم في مصر، بلد الأزهر المتحصنة دستورياً بالشريعة الإسلامية؛ وكأن العلمانيين باتوا أوصياء علينا، يختارون لنا من الدين ما يناسب منهجهم. هذا هو حالنا كما ترون، وهذا ما دفع سيد القمني إلى وصف الأزهر بـ “المبولة” على مرأى ومسمع منه، دون أن يصدر عن المؤسسة أي رد.
وبالعودة إلى سارة حجازي مرة أخرى فهى ضحيةً لتوجهات سيد القمني ؛ إذ دفعها إلى تبني الإلحاد والترويج له، مما أدى إلى اعتقالها وسجنها. وبعد إطلاق سراحها وتدخل جهات غربية، أنهت سارة حياتها انتحاراً، وهي التي كانت تظن أنها تحمل رسالة ما. وقبل اعتقالها، استأجر لها القمني شقةً بتمويل من ساويرس لتنشر أفكارها، وكان برفقتها أحمد علاء، الذي أصبح من أبرز تلاميذ القمني وأكثرهم استجابة لدعوته. وقد كان كاتب هذه السطور هو من أبلغ عن نشاطهما، مما أفضى إلى سجنهما. يُذكر أن الصحف قد تناولت في ذلك الوقت أخباراً حول “منظمة أهوك” المرتبطة بالقمني؛ حيث قررت نيابة أمن الدولة تجديد حبس أحمد علاء، لمواجهته مع سارة حجازي تهماً شملت: الانضمام لجماعة تأسست على خلاف القانون بهدف نشر الشذوذ، والترويج لأفكارها، والتحريض على الفجور، بالإضافة إلى تهمة التواصل مع منظمات خارجية للحصول على تمويل أجنبي المنسوبة لعلاء.
فقد شنت قوات الأمن حملة عقب واقعة رفع علم «قوس قزح» في حفل «مشروع ليلى»، استهدفت مواطنين بناءً على شكوك حول هويتهم الجنسية، وبلغ عدد المقبوض عليهم 57 شخصاً وفي هذا السياق، أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن قلقه من موجة اعتقالات طالت أكثر من 180 شخصاً في مصر وإندونيسيا وأذربيجان، بناءً على التوجهات الجنسية المنسوبة إليهم.
لم يمضِ وقت طويل حتى وقع الفنان خالد الصاوي تحت تأثير سيد القمني، فأصبح ملحداً يدعو إلى الإلحاد. ولم يشفع هذا للدكتور أحمد عمر هاشم الذي منح القمني جائزة الدولة؛ رغم اتهامه بنشر الإلحاد. وعقب منح الجائزة، أحلتُ القضية إلى الدكتور أحمد عمر هاشم، الذي صرّح حينها بأن القمني ورّطه في هذه الجائزة، في حين كان القمني يتفاخر بأن مَن صوّت له هو عالمٌ كبيرٌ بحجم الدكتور أحمد عمر هاشم.
ومما أثار استغرابي حين نشرتُ تلك الكارثة آنذاك، هو نسبُ ثروت الخرباوي وبلال فضل وجريدة “المصريين” ما نشرتُه لأنفسهم باعتباره إنجازاً خاصاً بهم، لا سيما ما يتعلّق بـ “الدكتوراه” التي اشتراها ساويرس للقمني بغرض تلميعه. كان همّهم الوحيد هو تصدّر المشهد دون أدنى محاولة لفهم الحقائق. وفي تلك الفترة، نشب بيني وبين سيد القمني شجارٌ كبير سأشرح تفاصيله باستفاضة في الجزء السابع، وإذا كان الأمر يهمّكم، يرجى كتابة “أكمل”
عرض أقل






