
بقلم: يحي الزعاق
الإرهابي لا يذهب إلى صندوق الانتخاب لأنه ببساطة لا يحتمل فكرة أن يكون البشر متساوين.
الصندوق إعلان فجّ بأن الرأي لا يُفرض، وأن السلطة لا تُنتزع بالقوة، وأن الإنسان – أي إنسان – يملك حق الاختيار، وهذه أفكار قاتلة بالنسبة لعقل يعيش على الإكراه ويقتات على الدم.
الإرهاب ليس مجرد عنف، بل كراهية صريحة للاختيار.
هو مشروع يقوم على إلغاء العقل، ومحو التعدد، وتحويل المجتمع إلى قطيع يُقاد بالسلاح لا بالكلمة.
لذلك يخشى الإرهابي ورقة التصويت أكثر مما يخشى الرصاص؛ لأنها تُسقط أسطورته: أسطورة «الحق المطلق» و«الوصاية المقدسة» و«التفويض الإلهي».
الصندوق يقول إن الحقيقة ليست حكرًا على أحد، وإن من يحكم اليوم قد يُحاسَب غدًا، وإن السلاح ليس دليل صدق.
أما الإرهابي فيقول العكس تمامًا: من يعارض يُكفَّر، ومن يختلف يُقتل، ومن يسأل يُخَوَّن.
لهذا لا يمكن أن يتعايش الإرهاب مع الديمقراطية، فإحداهما تعترف بالإنسان، والأخرى تلغيه، ومع ذلك، في بعض لحظات الانتهازية السياسية، قد يقترب الإرهابي من صندوق الانتخاب، لا احترامًا له، بل خيانةً لمعناه.
يستخدمه ككمين لا كآلية، كمرحلة عابرة لا كقيمة.
يدخل الانتخابات مرة واحدة ليغلقها إلى الأبد، ويستعير لغة الديمقراطية ليذبحها من الداخل، وما إن يضع يده على السلطة، حتى يبدأ تكفير الخصوم، وتجريم السياسة، وتحويل الاختلاف إلى جريمة، تمهيدًا لإغلاق الصندوق باسم «الشريعة» أو «المقدس».
وفي الجهة الأخرى، يقف بعض المثقفين موقف المتفرج، يبررون العزوف بالإحباط أو فقدان الثقة.
هذا العزوف – مهما بدا أخلاقيًا – ليس بريئًا من العواقب.
صحيح أن المثقف لا يحمل سلاحًا ولا يكفّر خصومه، لكنه حين ينسحب يترك الساحة خالية لأكثر الأصوات تطرفًا وضجيجًا ومالًا.. يترك السياسة لمن لا يؤمنون بها أصلًا.
الفرق واضح:
الإرهابي يهدم صندوق الانتخاب لأنه يكره الناس.
والمثقف يبتعد عنه لأنه يكره المشهد.
لكن النتيجة واحدة إذا طال الغياب: فراغ سياسي تملؤه الشعبوية، والمال السياسي، وخطاب الكراهية، سواء ارتدى عباءة دينية أو ربطة عنق أنيقة.
المشاركة ليست تصديقًا على واقع فاسد، بل رفضٌ عملي لاحتكار الصوت، وهي الحد الأدنى من المقاومة المدنية في وجه من يريدون حكم الناس باسم السلاح أو المال.
الصمت لا يُصلح، والانسحاب لا يُسقط الفاسدين، وترك الصندوق فارغًا لا يجعله أنظف، بل يجعله ملكًا لمن لا يخجلون.
الديمقراطية لا تموت بضربة واحدة، بل تموت حين يبتعد عنها العقلاء، ويُترك الاختيار لمن لا يعترفون بالاختيار أصلًا.



