
بقلم: رامي لبيب علم الدين
المصري بالخارج ليس مجرد مغترب يبحث عن حياة أفضل، بل هو سفير غير رسمي لمصر في العالم، يعكس صورتها وقيمتها في المجتمعات التي يعيش بها، غير أن غياب الرؤية المؤسسية الواضحة للتعامل مع هذا الملف، والاكتفاء بردود فعل متفرقة وقت الأزمات، جعلا شريحة واسعة من الجاليات تشعر أن دورها السياسي في معادلة الوطن لا يتناسب مع حجمها وتأثيرها، وهنا يبرز التحدي: كيف يمكن أن تنتقل الدولة من إدارة ملف المصريين بالخارج بمنطق “الخدمة القنصلية” إلى “الشراكة الوطنية”؟
عندما نتأمل حجم التحويلات المالية للمصريين بالخارج، والتي تجاوزت في الفترة الأخيرة حاجز ٣٠ مليار دولار، ندرك أننا أمام قوة اقتصادية موازية لقطاعات رئيسية كقناة السويس والسياحة ، وبات المصرى في الخارج مصدر رئيسي من مصادر الدخل القومي، واحد أعمدة الاقتصاد المصرى بلا منازع وبلا تكاليف تشغيل، لكن هذه القوة تظل غير مستثمرة بالشكل الأمثل الذى نتمناه ، إذ تتبدد الطاقات والفرص في ظل بيروقراطية خانقة وضعف حوافز الاستثمار داخل مصر، وتهميش دور المصرى في الخارج، إن تحويل مدخرات المصريين بالخارج إلى مشاريع منتجة ليس مجرد خيار، بل ضرورة اقتصادية لحل أزمات التمويل ودعم استقرار العملة الوطنية.
خلف كل مصري مغترب قصة حلم ومعاناة، قصة عائلة تركها خلفه، وأبناء يتعلمون في مدارس غريبة، وحياة بين وطنين لا يشعر في أي منهما بالاكتمال، هؤلاء الملايين الذين يكدّون ليلًا ونهارًا لبناء مستقبل أفضل، لا يريدون سوى أن يشعروا أن وطنهم يقدّر تضحياتهم ويحتضن أبناءهم، وأنه ينظر إليهم كشركاء في الحاضر وصنّاع للمستقبل، لا كأرقام في جداول التحويلات البنكية.
ملف المصريين بالخارج أصبح ملفًا وطنيًا يرتبط بالهوية والانتماء والفرص المهدرة، يعيش ملايين المصريين في الخليج وأوروبا والأمريكتين وأفريقيا، ويساهمون بمليارات الدولارات من تحويلاتهم التي تُعتبر ركيزة رئيسية في الاقتصاد الوطني، فضلًا عن خبراتهم وشبكاتهم في مختلف المجالات ورغم هذا الثقل، يظل إحساس قطاعات واسعة من الجاليات بالخارج أن الاهتمام الرسمي بهم يتراجع، خاصة بعد دمج وزارة الهجرة ضمن قطاع وزارة الخارجية، وهي خطوة ينظر إليها الكثيرون باعتبارها تراجعًا للخلف في ملف رعاية المصريين بالخارج، بعدما كانت وزارة مستقلة تعكس رمزية وأهمية هذا الملف.
المعاناة تبدأ من تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تمس الحياة اليومية بشكل مباشر، مثل صعوبة إنهاء المعاملات القنصلية من تجديد جواز السفر إلى استخراج قيد عائلي أو توكيل رسمي، حيث تصطدم الأسر بروتين طويل وتعقيدات قد لا تتناسب مع ظروف العمل في دول الإقامة. وتمتد الأزمة إلى قطاع التعليم، حيث تواجه الأسر تحديات معادلة الشهادات لأبنائهم، وارتفاع رسوم الامتحانات الخاصة بأبناء الجاليات، فضلًا عن فجوات المناهج الدراسية بين النظم التعليمية المختلفة، وهو ما يضع الأبناء تحت ضغط نفسي ويفرض على الآباء أعباء مالية مضاعفة.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب الإداري، فهناك بعد آخر أكثر قسوة يتعلق بالحقوق العمالية والقانونية، خاصة في دول الخليج التي تستقبل العدد الأكبر من المصريين. كثير من العمالة البسيطة والمتوسطة تواجه نزاعات تتعلق بالأجور وظروف العمل، وغالبًا ما تفتقد آلية دعم قانوني سريع وفعّال من جانب السفارات أو القنصليات، وبالموازاة مع ذلك، يشعر المصريون بالخارج أن صوتهم السياسي لا يصل إلى الداخل بالقدر الكافي، وأن تمثيلهم في المؤسسات التشريعية والتنفيذية لا يزال محدودًا مقارنة بدورهم ووزنهم الحقيقي، كما أن النظام الانتخابي لا يعبر عن طموحهم و٨ مقاعد برلمانية لا يكفي ولا يراعي الكم العددى لهم، وكذلك نسب تمثيلهم في الجامعات الحكومية لا يعكس احتياجات أبناء المصريين بالخارج ولا يكفي للأعداد الهائلة من أبنائهم في الجامعات المصرية .
ثم يبرز ملف الاستثمار باعتباره حلقة مفقودة، ويظل حلم تأسيس شركة المصريين بالخارج ينتظر التحقق، فالمغترب الذي جمع مدخراته عبر سنوات طويلة يريد أن يضعها في أدوات استثمارية آمنة وشفافة داخل مصر، لكنه يصطدم بواقع مليء بالبيروقراطية وتضارب المعلومات وغياب الحوكمة الكافية، مما يدفع الكثيرين إلى العزوف عن ضخ أموالهم في السوق المحلي، أمام هذه التحديات، يتطلع المصريون بالخارج إلى التعامل معهم باعتبارهم شريكًا وطنيًا كامل الأهلية، يريدون خدمات قنصلية رقمية متكاملة، ومنظومة تعليمية مرنة لأبنائهم، ودعمًا قانونيًا فاعلًا للعمالة البسيطة،. حماية حقوق العامل المصرى بالخارج، نظام تأمينات عاظل يراعي ظروف المغترب واحتياجاته، وأدوات استثمارية ذات شفافية وحوكمة تضمن أموالهم وتمنحهم الطمأنينة.
ويضاف إلى ذلك حلم قديم متجدد بإنشاء قاعدة بيانات موحدة للمصريين بالخارج، بحيث تكون مرجعًا رسميًا يحدد أعدادهم وتوزيعهم الجغرافي ومجالات عملهم وكفاءاتهم، ليسهل على الدولة التواصل معهم والاستفادة من طاقتهم البشرية والمعرفية، كما يظل مطلب إصدار قانون هجرة جديد من أهم الأولويات، قانون عصري يضع إطارًا متكاملًا لحقوق وواجبات المصريين بالخارج، ويضمن حوافز عادلة عند العودة النهائية أو الجزئية، مثل إعفاءات جمركية مدروسة على الأمتعة الشخصية والسيارات، ومسارات سريعة لتأسيس الشركات، وربط بالخدمات المصرفية والضريبية دون عناء بيروقراطي، وكذلك حقهم في السكن بأسعار عادلة امتلاك مسكن ومدفن وحق الرعاية الصحية في مصر.
الحلول ليست مستحيلة، فخدمة إلكترونية موحدة يمكن أن تختصر نصف المعاناة الإدارية، وإنشاء شبكة محامين معتمدة بالقنصليات قد يضمن استجابة فورية للنزاعات العمالية، وطرح منتجات استثمارية مضمونة بعوائد واضحة سيعيد بناء الثقة، بينما يُمثل وجود قاعدة بيانات وقانون جديد نقلة نوعية في طريقة تعامل الدولة مع أبنائها بالخارج.
الخلاصة أن أزمة المصريين بالخارج لا تكمن في حجم المشكلات بقدر ما تكمن في طريقة التعامل معها. إنهم ذراع مصر الممتدة في العالم وقوتها الناعمة والصلبة في آن واحد، والاستثمار فيهم ليس خيارًا تكميليًا بل رهان استراتيجي على المستقبل. فإذا ما توفرت الإرادة وتمت ترجمة الوعود إلى أنظمة وقوانين وقواعد بيانات ورؤية واضحة، فإن المصريين بالخارج سيظلون الجسر الأقوى الذي يربط الوطن بامتداده العالمي، ويعزّز صورة مصر كدولة تعرف قيمة أبنائها في الداخل والخارج على السواء.
لم يعد المصري بالخارج مجرد مغترب يبحث عن فرصة عمل، ولا مجرد رقم في جداول التحويلات البنكية، بل أصبح أحد أهم ركائز الأمن القومي والاقتصادي والإنساني لمصر. فهو سفير غير رسمي يعكس صورة وطنه أمام العالم، ورافد اقتصادي ضخم يضخ مليارات الدولارات سنويًا، وفي الوقت نفسه إنسان يعيش بين وطنين، يحمل حلمًا بالعودة وقلقًا على مستقبله ومستقبل أبنائه. ومع ذلك، ما زال هذا الملف يُدار غالبًا بمنطق “الخدمات القنصلية” أكثر من كونه “شراكة وطنية”، وهو ما جعل الكثير من الجاليات تشعر أن حضورها السياسي ودورها التنموي لا يتناسب مع حجمها الحقيقي، إن تحويل طاقات المصريين بالخارج إلى قوة فاعلة يتطلب رؤية متكاملة، سياسية تُعزز تمثيلهم، واقتصادية تستثمر مدخراتهم في مشروعات وطنية، وإنسانية تضع معاناتهم وتطلعاتهم في قلب الاهتمام، وهنا يظل السؤال مفتوحًا: كيف يمكن لمصر أن تحوّل أزمة مشكلات أبنائها في الخارج إلى فرصة استراتيجية تُضاف إلى رصيد قوتها؟



