Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

حروب الرعيل الأول لنشر الإلحاد في مصر “الحلقة السابعة ..تفكيك الملحدين …

محمد عنانى
قد وقفنا في الحلقة السابقة عند ” في حين أن مقالات هؤلاء السادة يعاقب عليها المساكين الذين يقولونها دون أن يكونوا محررين في مجلات الوزارة بمقتضى قانون حماية الآداب لأنها تخدش الحياء العام ومع ذلك فهي تُعتبر عند المسؤولين من كل هذه المجلات نقداً أدبياً، وهكذا يضيع الورق يا سادة!».
وفي عدد 29 أغسطس 1974 من «الجمهورية» يكتب عيسى مجدداً عن قرار الوزير بالتخلي عن تمويل المجلة بعد عدد أكتوبر، ثم لقاء هيئة التحرير به، حيث أبلغه أعضاؤها بموقفهم في ثلاث نقاط، أولاً أن الوزارة ليست طرفاً في الصراع بين تيارات الأدب والفن والثقافة والفكر، وبالتالي يجب أن تأخذ مسافة واحدة من الجميع، وثانياً، أن الكاتب مجلة يسارية، وقد مارست هذا الدور عشر سنوات وينبغي أن تبقى لتمارسه، وثالثاً، أن صدور مجلة ما عن الوزارة لا يعني أنها ستتحول إلى بوق دعاية لها، لقد وقف فاروق حسني بعد هذا الاجتماع بأكثر من ثلاثين عاماً ممسكاً بأحد أعداد «أخبار الأدب» في البرلمان متسائلاً بمزيد من الدهشة والحنق والغضب كيف لجريدة تصدر بأموال الدولة أن تهاجم وزارة في حكومتها، فكأن الزمن يكرر نفسه مع عقول تم تصميمها وتغليفها وتعبئتها في مصانع الدولة الشمولية القديمة، المهم أن يوسف السباعي قال إنه محايد كوزير لكنه غير محايد كشخص أو أديب، وإن اليساريين قد أفسدوا الثقافة في مصر عشرين عاماً، الأمر الذي أدى إلى وفاة أكثر من أديب قهراً، مثل عبدالحليم عبدالله، وباكثير، ويوسف غراب، وإن من حقه والمجلة تصدر عن الوزارة أن يراجع أوضاعها لأنه مسؤول عنها، ثم ضرب قنبلته مثيراً عاصفة ضخمة في الاجتماع: إما تخلي الوزارة عن دعمها أو تغيير رئيس تحريرها أو مجلس تحريرها بالكامل، وقد تنصل عن مسؤوليته عما يُنشر في مجلة «الجديد» اليمينية المتطرفة برئاسة صديقه وتابعه رشاد رشدي، وسيأتي دوره بالتفصيل لاحقاً، وتساءل صلاح عيسى: «ما هو المبرر الذي يدفع الوزارة للتفكير في تغيير المشرفين على الكاتب؟ هل فقد عباس صالح مؤهلاته لرئاسة تحريرها بعد عشر سنوات من العمل الناجح أم أن هناك موقفاً شخصياً منه؟ هل لدى الوزارة اقتراحات بأشخاص يمكن أن يفضلوا مجلس تحريرها الحالي الذي يضم اثنين من الضباط الأحرار، هما كمال رفعت ولطفي واكد، وأستاذاً جامعياً محل احترام وتقدير دوائر الثقافة في العالم هو د. محمد أنيس، وناقداً لامعاً هو رجاء النقاش، وهل هؤلاء أقل قيمة أو علماً من مجلس تحرير مجلة (الثقافة) أو (الجديد) مثلاً؟» و«بماذا تبرر الوزارة أن الكاتب تطبع ضعف ما تطبعه (الثقافة) وإذا كانت المسألة مسألة خسائر فلماذا لا تكف عن تمويل الخاسر؟ وإذا كانت الوزارة تخسر فلماذا تتحمل الوزارة خسارة مجلتين تتبنيان نفس الاتجاه هما الثقافة والجديد ولا تغلق إحداهما؟».
وعاد عبدالعزيز الدسوقي في مجلته «الثقافة» سبتمبر 1974 ليواصل شتائمه بحق عباس صالح ومساعديه: «… على أن الذي زاد في سعادتنا بصورة مضاعفة ما لاحظناه من انزعاج الفلول الباقية من خدّام مراكز القوى وبعض أصحاب الانتماءات المعيّنة الذين فرضتهم الظروف السياسية في عقد الستينات، عقد الهزيمة اللعين، على قمة الحياة الأدبية والفكرية، ومن الغريب أن هؤلاء، وهؤلاء هم الذين أفسدوا الحياة الثقافية وخربوا مؤسسات المسرح والسينما والنشر، وحوّلوها إلى أنقاض، لا نزال حتى الآن نعاني مما أحدثوا من دمار، ونحاول أن نرفع الأنقاض ونطهر الأرض، ولهؤلاء قصة يجب أن تُروى بصراحة وبالأسماء حتى لا يذرف عليهم بعض المخربين دموع التماسيح مرة أخرى».
وقد كتب الدكتور محمد أنيس في عدد سبتمبر 1974 من «الكاتب» مشيداً بتحذير «روز اليوسف» من إغلاق المجلة، وإن كان ينصحها بأن تنعيها لو استمر الأمر ونجح مخطط الوزير والكارهين في إبعاد رئيس تحريرها، وهو يرى أن الحملة ضد أحمد عباس صالح تبدو غير موضوعية وتحمل في ثناياها الكثير من الحقد والكراهية، وانتقد طريقة كتّاب «الثقافة» اليمينية في الهجوم على رئيس التحرير قائلاً إنها «تحمل شيئاً من العنف لا يرتاح له القارئ»، وينصح في نهاية مقاله المسؤولين عن المجلات الأسبوعية والشهرية والصحف اليومية التقدمية التي تصدر في مصر: «لا تنظروا إلى أزمة الكاتب بروح الانفراد، وكأنكم سوف تستوعبون قرّاء الكاتب المشردين. هذا خطأ فادح والأفضل لتلك المجلات والصحف وليس للكاتب وحدها أن تنظر إلى القضية نظرة غير ذاتية، فتعي أن ما تتعرض له الكاتب الآن سوف تتعرض حتماً كافة الأقلام والمنابر الفكرية ذات الصبغة اليسارية»، وينشر إبراهيم منصور الوثيقة رقم 12 في الملف وهي نص استقالة رئيس تحرير «الكاتب» أحمد عباس صالح، ومجلس التحرير: لطفي واكد، د. محمد أنيس، رجاء النقاش، صلاح عيسى، وسكرتارية التحرير: أحمد القصير، وحسنين كروم، إلى يوسف السباعي، مفندين كل ما واجهوه من مصاعب وأكاذيب وتجنٍ وكراهية مطلقة وصلت إلى الضرب تحت الحزام وتشويه السمعة، لكن أخطر ما جاء في نص الاستقالة هو إشارتهم إلى حرب سرية يمارسها شخص ما لصالح الوزير: «اكتشف مثلاً رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب أن نسخ مجلة الكاتب تخرج من المطبعة إلى المخازن دون أن تتسلمها شركات التوزيع حتى يُمنع تداولها، واضطر رئيس الهيئة إلى التحقيق مع المسؤولين عن هذا العمل المشين الذي لا يقيم وزناً للجهد البشري ولا للمال في سبيل منع المجلة من التداول، وبطريقة سرية» وبربط بسيط بين تصريح الوزير الساخر لرئيس تحرير «روز اليوسف» صلاح حافظ بأن المجلة كانت تصدر وتذهب إلى المخزن مباشرة، وهو التصريح الذي لا يعني أنها لا توزع بشكل جيد، وبين هذا الكلام الخطير في نص الاستقالة، يمكن فهم ما كان يجري في الكواليس، واللعبة التي يتم خلالها تنحية الأخلاق والمبادئ والمثل والقيم.. إلخ، حتى يتم تحقيق الانتصار بأي شكل، حتى ولو كان ذلك أيضاً نوعاً من إهدار المال العام، فلا رقيب ولا حسيب لأكبر رأس في وزارة الثقافة.
وتحت عنوان «عصا الوزير» جاء مقال كامل زهيري في عدد 17 سبتمبر من «الجمهورية» وقد حاول أن يكون موضوعياً كعادته، لكن ميله إلى اليسار كان واضحاً من السطر الأول وإن اكتست كلماته بأكبر قدر من التهذيب: «لست أريد أن يتفق الجميع على أن هذا الأديب الوزير يدخل الأدب من بابين: باب الرواية والكتابة والتأليف، وباب الأدب بمعنى التأديب والتهذيب والإصلاح وإغلاق المجلات. ما بيني وبين وزير الثقافة لحسن الحظ ود معقود، غير مفقود! وقد يكون ذلك لأنني طوال عشرين عاماً لم أحترف النقد الأدبي، فأتناول رواياته وأفلامه بالنقد والتقييم. لا بالخير ولا بالشر» حتى يصل إلى مراده: «أخشى أن أقول إن ما اتخذه أخيراً من إجراءات إدارية في تغيير إدارة مجلة (الكاتب) الشهرية، وتعيينه لشخصين في إدارة المجلة إجراءات غير مفهومة، ولا تجد تبريراً معقولاً سوى أن الوزير يستخدم عصاه بدلاً من أن يستخدم قلمه أو قلبه أو عقله»، وقد نشرت «الجمهورية» رداً مطولاً من السباعي في عدد 22 سبتمبر 1974 ولا يعنيني منه، وقد احتوى على كثير من المعلومات التي عرضها هذا التحقيق، سوى أمرين، الأول إشارته إلى صلاح عبدالصبور الذي لم يكن قد تم تعيينه رئيساً للتحرير حتى هذه اللحظة، حيث قال الوزير إن إحدى المناقشات مع أحمد عباس صالح – وقد كان شاهداً عليها الأستاذ أحمد زين مدير تحرير جريدة الأخبار وعديل أحمد عباس صالح – انتهت بالاتفاق على أن يُشكّل مجلس التحرير من الأعضاء الحاليين، مضافاً إليهم الأساتذة يوسف إدريس وصلاح عبدالصبور وسعدالدين وهبة وإدوار الخراط، وأن يكون صالح رئيساً للتحرير، وعبدالعزيز صادق مديراً للتحرير، والمعلومة الثانية أن السباعي لجأ للإيحاء بأن صلاح عيسى يكره انتصار 6 أكتوبر، وقد كان هذا أقرب إلى بلاغ، حيث قال بالنص: «في مقال عن مستقبل الديمقراطية في مصر للأستاذ صلاح عيسى (عدد 163 سبتمبر صفحة 11 فقرة 3) ينوه صاحب المقال بأن انتصار 6 أكتوبر إنما هو تحقيق لأسلوب الحل الإمبريالي وبمساعدته» إلى أن يصل لهدفه من ذلك قائلاً: «وأنا أرى – وأحتكم للشعب المصري في هذا – أن هذه محاولة لتدمير كل ما بذله الشعب المصري والجيش المصري من أجل تحقيق انتصار استعدنا به كرامتنا»، ورد صلاح عيسى في عدد 24 سبتمبر من «الجمهورية» قائلاً إن السباعي «يستعدي عليّ كل السلطات في الدولة: قوات الجيش والأمن والشعب المصري والشعوب العربية، لكنه نسى – أكرمه الله – أن يطالب بشنقي» وهو يتعرض كذلك في مقاله الطويل لتفاصيل الخلاف بين «الكاتب» والوزير، التي جعلت الأخير يلجأ، بحسب ما قاله، للأساليب الملتوية، ومع هذا يوضح عيسى المعنى من وراء جملته «الحل في إطار الجبهة الإمبريالية» التي تحولت على يد الوزير ومستشاريه إلى «الحل الإمبريالي» ليستغلها السباعي فرصة في اتهام عيسى بإهانة الشهداء والتشكيك في الحرب، ويتساءل عيسى: «ولا أدري كيف ينسجم قولي هذا مع قولي إن ما حدث في أكتوبر كان (انتصاراً) ولا من توصيفي للاستراتيجية السياسية التي على أساسها اُتخذ قرار العبور» إلى أن يصل إلى التأكيد على أن «الخلاف في الفهم بيني وبين الوزير يؤكد فيما يبدو أن سيادته يظن أن الجبهة الإمبريالية شيء.. وأمريكا شيء آخر، فهل يعتبر سيادته أن ما أقوله يختلف مع ما يقوله كل من كتبوا عن الحرب وإستراتيجيتها السياسية؟ هل يريد أن يقنعني بأن الضغط على أمريكا ليس ضغطاً على الجبهة الإمبريالية؟».
وكتب أحمد حمروش في عدد 23 سبتمبر من «روز اليوسف» تحت عنوان «أعيدوهم إلى الكاتب» إن في قلبه مرارة شديدة لأنه شارك في إصدار هذه المجلة مع المرحوم الدكتور محمد مندور والدكتور لويس عوض، ورأس تحريرها منذ عددها الأول الذي صدر في أبريل 1961 عن دار التحرير، بعد أن كانت في بداية الخمسينات هي مجلة «أنصار السلام» التي يرأس تحريرها سعد كامل، وقال في رسالته: «غياب هيئة التحرير المسؤولة عن مجلة الكاتب يعني أنها سوف تغير اتجاهها الفكري وتنضم إلى سلسلة مجلات أخرى تصدرها وزارة الثقافة وكأنها تعبّر عن مدرسة فكرية واحدة»، أما أحمد حرك الذي يبدو من عنوان مقاله «ليس دفاعاً عن وزير الثقافة» المنشور في عدد 23 سبتمبر 1974 من جريدة «العمال الأسبوعية» فإنه يدافع باستماتة عن السباعي، وهو يبدو مكتوباً على طريقة «حبّوا بعض» إذ يقول: «ماذا يزعج الكتّاب الذين استقالوا من الكاتب من الذين أتى بهم وزير الثقافة إلى المجلة.. إذا كانوا يؤمنون بحرية الفكر والكلمة؟ لماذا لا يتعايشون جميعاً ويكتبون جميعاً في مجلة يقرأها أدباء ومثقفو مصر؟ لماذا؟ ألا يستطيع الفكر الماركسي أن يُعبّر عن نفسه إلا إذا كانت القيادة كلها ماركسية؟»، وعاد الدكتور محمد أنيس ليكتب مجدداً تحت عنوان «عندما يخطئ الوزير يُتّهم» في عدد 24 سبتمبر 1974 من «الجمهورية» وإن كانت نبرته أكثر قوة تلك المرة، وقد كان كل حرف ينطق به يشير إلى كذب الوزير غير أنه لم يقل ذلك صراحة، وبحسب ما كتبه «لا ينبغي لوزير الثقافة الذي استأمنته القيادة السياسية على إدارة سياسة الثقافة في مصر أن يكون غير صريح فيما يرويه عما جرى بينه وبين هيئة تحرير الكاتب» لقد كان مدهشاً بالنسبة له، كما هو الحال بالنسبة لكثيرين، أن يعطي الوزير أمراً لمدير مطبعة الهيئة العامة للكتاب بعدم جمع أي مقال للكاتب إلا بإذن منه شخصياً دون أن يُخطر رئيس التحرير، ثم يشير إلى أن السباعي أصرّ في كل محاولات التسوية على تعيين عبدالعزيز صادق مديراً لتحرير المجلة، معقباً: «وما نعلمه عن قدراته الثقافية لا تشجعه على أن يتولى هذا المنصب الهام والحيوي» وبالتالي «أبسط حقوق الكاتب إزاء هذا الموقف أن تطلب إعفاءها من تحمل المسؤولية»، ثم ينشر نص الاستقالة التي عرضها هذا التحقيق.
وحتى لا اطيل على سيادتكم نكمل في الحلقة القادمة باقي الرحلة ومن يهتم بالأمر نرجو التعليق بأكمل عرض أقل عرض أقل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى