
محمد عنانى
في رد فعل قوي من السادة المتابعين من خلال الرسائل التي تطلب المواقف الصعبة لي مع القمني وأنشر منها، وجدته يتحدث مع شخص يدعى جميل عزيز، وهذا الشخص تحديداً هو من يقوم بدعم سيد القمني والحامي له، وكان الحديث أمامي عن المطالبة بعدم تدخل الأسرة في اختيار الدين للطفل في سن مبكر، ويتم عرض جميع الأديان على الطفل عقب بلوغه لسن 15 عاماً؛ أي في مرحلة المراهقة التي تتشتت فيها أفكاره ليختار دينه بنفسه”، وفي هذا التوقيت
* نشرت صحيفة الميدان وقتها تحقيقاً صحفياً عن سيد القمني تحت عنوان: “شيخ وقسيس وكاهن”، أشارت فيه إلى أن القمني مجرد أراجوز يتأرجح في كتاباته بين المسيحية واليهودية والإسلام، ويبدو أن هذا التحقيق أثار غضب القمني، فوجدته يطلب من اللواء عزيز أن يتدخل لدى الصحيفة لإسكات الصحفي صاحب التحقيق، وسمعته يقول لصديقه اللواء: “يا جميل بيه سكت الواد ده بأي طريقة؟!”
كان الصحفي يُدعى سيد خميس، وكانت جريدة “الميدان” تحظى حينها بمتابعة واسعة، لكن اللافت أن الصحفي اختفى تماماً من الجريدة عقب نشر ذلك المقال. كان جميل عزيز هو الداعم الأساسي للقمني، حيث يمهد له الطريق ويوفر له الدعم المادي، حتى وصل الأمر بالقمني إلى تناول كيلو من اللبن وكيلو من سمك البوري يومياً. كان القمني يعيش وحيداً في مسكنه القديم بميدان الرماية، بينما كانت زوجته وأبناؤه يعيشون في مكان آخر؛ وكان ابنه محمود يزوره لفترات قصيرة قبل أن يغادر، تاركاً والده مع خادمته التي تُدعى “مسعودة”، وهي من محافظة كفر الشيخ، حيث أجرى لها عملية تجميل بتكلفة باهظة، وكانت ترتدي ملابس كاشفة داخل منزله. تجدر الإشارة إلى أن القمني تزوج أكثر من مرة، إحداهن سيدة عربية هربت منه بعد فترة قصيرة من الزواج، أما زوجته “أم محمود” فلم أرها طوال سنوات معرفتي به. في إحدى المرات، خرجت الخادمة “مسعودة” وتأخرت عن العودة، وبعد أن انتظرها القمني نصف ساعة، طلب مني مرافقته للبحث عنها. ركبنا سيارته “الشاهين”، وأخذ يهرش في رأسه وهو يخلع قبعته، وجلنا في محيط منطقة نادي الرماية والشوارع الشعبية دون جدوى، وعندما عدنا للمنزل وجدناها، حيث ادعت أنها كانت عند المكوجي؛ ويبدو أنه انهال عليها بالضرب المبرح، وقرر منعها من الخروج مجدداً. يذكر أن خادمة سبقت “مسعودة” كانت قد حملت منه، فطلب القمني من صديقه نبيل شرف الدين التدخل لإيجاد مخرج لتلك الأزمة.
وأمامكم نبيل شرف الدين اسألوه، وهو رجل معروف في عالم صاحبة الجلالة، وقام نبيل شرف الدين بجلب شاب فقير معتوه وعقد قران الخادمة عليه، وانقطعت أي صلة لها بالقمني تماماً، وحلت محلها مسعودة، وسمعت أنها أخت مسعودة الكبيرة، وكانت الخادمة مسعودة تأتي لي بكل ما أطلبه من كتب وأوراق، واشتريت لها تليفوناً محمولاً عشان تصور به الأشياء التي يخفيها القمني في حجرة نومه، والمقابل أن تحصل هي على التليفون بعد ذلك، وكانت التليفونات المحمولة ذات الكاميرا عزيزة جداً في هذا التوقيت.
وفي إحدى الليالي، خرجتُ ومعي الشاي وجلستُ معها، فسألتها: “لماذا يغيب الفنان محمود الجندي بالداخل؟”، فأجابتني بأنه يسكر مع “المخفي” (سيد القمني)، وأنه يخرج منه في حالة غياب عن الوعي، وبعد خروجه يبدأ القمني في السخرية منه أمام الحاضرين، ويصفه بأوصاف بذيئة لا تليق، ويدّعي أنه لا قيمة له. شعرتُ حينها بضرورة التحدث مع الفنان محمود الجندي، وطلبتُ منه ألا يصاحب هذا الرجل، فابتسم وقال لي: “هل ستمنعني من الدخول؟”، فأجبته: “أبداً، نحن نحبك، ولذلك أنصحك بتجنب هذا الشخص تحديداً”. والمثير للاستغراب أن محمود الجندي نقل للقمني تفاصيل حواري معه بالكامل، ورغم ذلك لم يفتح معي القمني أي حديث. ومع تكرار الزيارات اليومية للجندي والقمني، وعلمي من الخادمة أن الجندي نقل للقمني ما قلته، قررت تجاهل محمود الجندي وعدم إعطائه أي اعتبار، حتى سألني يوماً: “هل أنت غاضب مني؟”، فأجبته بالنفي، لكنه أدرك حينها أنني علمت بنقله الكلام للقمني. مرت بضعة أشهر، حتى رأيت محمود الجندي ينزل من سيارته بغير عادته، وبدا عليه التأثر، وقال لي: “لقد كنتَ على حق، فقد أخبرني أحدهم أن القمني يهينني في غيابي، وقد جئتُ اليوم ليس لأعاتبه، بل لأكشفه أمام نفسه”. دخل الجندي لدقائق معدودة ثم خرج، ولم أره بعدها مرة أخرى، وقد أعاد للقمني جميع كتبه وهو في حالة غضب شديد. كان الفنان محمود الجندي وقتها متزوجاً من الفنانة الكبيرة عبلة كامل، وكان يسكن في فيلا بشارع “علوبة” بالهرم، في حي راقٍ بجوار الفنان محمود ياسين.
نستكمل ما أرسله لي أحد الأصدقاء حول علاقة القمني بالكاتب الراحل أنيس منصور؛ إذ يذكر أنه حين عاد القمني من الكويت كان هارباً من فضيحة مدوية، حيث كان يعمل مدرساً للفلسفة هناك، وتزوج وعاش لسنوات قبل أن يتقدم ببلاغ غريب للنائب العام الكويتي ضد سيدنا موسى عليه السلام، مما عرّضه لخطر الموت، ففرّ هارباً إلى مصر خوفاً من غضب الشعب الكويتي، تاركاً خلفه وظيفته التي فقدها بسبب تلك الواقعة.
وعند عودته، كان أنيس منصور أول صديق للقمني، الذي كان يشتكي له دائماً من تهديدات يتلقاها، ومن ضيق حاله في شقة بحي شعبي، طالباً منه الدعم ليتمكن من ترتيب أوضاعه. وبالفعل، وفّر له منصور مكتباً في شارع الهرم، ليتخذ منه القمني مقراً لبحوثه في التاريخ الفرعوني، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً. إثر ذلك، توسط له أنيس منصور لدى الأستاذ محمد عبد المنعم لنشر مقالاته التي كان يزعم أنها أبحاث، وبالفعل بدأ النشر في مجلة “روز اليوسف”، ليتعرف بعدها على الصحفي الكبير صلاح عيسى، الذي أصبح لاحقاً من الداعمين له.
كان فرج فودة يقيم في إحدى غرف الفنادق المجاورة لمطار القاهرة، حيث كان سيد القمني يتردد عليه كثيراً محاولاً توطيد العلاقة معه. وخلال تلك اللقاءات، وجد القمني في فرج فودة شخصية استثنائية ذات منطق رصين في الطرح، وهو ما كان يفتقده القمني الذي اتسم أسلوبه بالفظاظة. ورغم كثرة اللقاءات التي سعى إليها القمني، كان فودة يستجيب له أملاً في أن يطرح القمني فكرة جادة، إلا أن الحوارات كانت تنحدر إلى مستوى متدنٍ من السخرية من الرسول الكريم ومواقف إسلامية، حيث كانا يتبادلان روايات وتأويلات مسيئة، منها ما تعلق بصفية بنت حيي، وعلاقة عمر بن الخطاب بعائشة رضي الله عنهما، بأسلوب يفتقر إلى الرزانة العلمية.
وعندما وقع حادث اغتيال فرج فودة، كان القمني على اتصال دائم بجمال البنا لإثارة ضجة إعلامية، حيث روج البنا لمقولة “اغتيال قلم”، وهي العبارة التي استغلها القمني واستثمرها تجارياً وسياسياً في مقتل فودة، حتى إن ابنة فرج فودة اضطرت لمطالبته بالتوقف عن المتاجرة بدم والدها.
لقد مرَّغ سيد القمني بالتراب يومها، ولم يبالِ بفعله. وبعد أيام قصدها مجدداً فرفضت مقابلته، فعاد معي وهو في حالة غضب عارم ليخبر اللواء عزيز بأنها لم تستقبله. وبمناسبة الحديث عن اللواء عزيز -الذي طلب مني أحد الأصدقاء الكتابة عنه بالتفصيل ليعرفه الناس- فهو “جميل عزيز”، لواء متقاعد كان أشبه بالعصا التي يتكئ عليها القمني ليمهد لنفسه الطريق؛ إذ كان يدعمه مادياً ويدير شؤونه، كما جلب له معلمين متخصصين لتدريبه على فنون الخطابة، وطرق الملبس، والإتيكيت في الأكل والشرب، وكيفية إدارة الحوار مع الجمهور. وهو من اشترى له شهادة دكتوراه زائفة مقابل ألفي دولار، وهو من أمر بنعته بـ “الدكتور سيد القمني المفكر الإسلامي”، رغم أنه لم يكن سوى مدرس فلسفة فاشل، طُرد من وظيفته بسبب تقديمه بلاغاً للنائب العام ضد سيدنا موسى.
مثَّل اللواء جميل عزيز كل شيء بالنسبة لسيد القمني؛ إذ كان يتصدى لكل من يحاول كشف حقيقته، وهو مَن أدرج اسمه في وزارة الثقافة ليحصل على “بدل تفرغ” مدى الحياة، مستغلّاً علاقته بالوزير فاروق حسني، وهي واقعة موثقة في سجلات الوزارة حتى اليوم. كان القمني يتقاضى شهريّاً مبلغاً ماليّاً معتبراً ليتفرغ للإساءة إلى الإسلام والمسلمين والصحابة، واصفاً خالد بن الوليد بـ”السفاح الدموي”، والرسول الكريم بـ”قاطع الطريق”، والقرآن الكريم بـ”الشعر المنحول”، كما أشرنا في الجزء الأول. وفي تلك الفترة، منح وزير الثقافة فاروق حسني سيد القمني جائزة الدولة التقديرية ومبلغاً ضخماً بتصويت من كبار هيئة علماء الدين، وعلى رأسهم الدكتور أحمد عمر هاشم، رئيس جامعة الأزهر آنذاك؛ الأمر الذي دفعني لمواجهتهم جميعاً. وحين خرج الدكتور أحمد عمر هاشم ليدعي أن القمني قد ورطه، أقول له: أكتب هذا وأنت على قيد الحياة؛ حتى لا ينكر أحد ذلك بعد وفاتك، فكلامي موثق بوزارة الثقافة، وأنت أول مَن صوَّت لصالح سيد القمني وسيد حنفي. أتذكر يا دكتور أحمد؟ كنت واقفاً أراقب كل شيء وأنت تبارك للقمني وجميل عزيز.
وبالمناسبة، توفي جميل عزيز لاحقاً في ظروف غامضة إثر حادث على الطريق الصحراوي، حيث اصطدمت سيارته بشاحنة . بعدها، تولى نجيب ساويرس رعاية سيد القمني، الذي شهد على يديه بحبوحة من العيش؛ إذ أهداه فيلا في مدينة العاشر من رمضان مجهزة بحمام سباحة، وسيارة حديثة، وفتح له أبواب قنواته الفضائية وصحفه مثل “اليوم السابع” و”المصري اليوم” و”الدستور” لتلميعه، كما كلف المذيعين سيد علي وهناء السمري بإجراء لقاءات معه، ليصبح القمني “نجم الشباك” في كافة المنابر التي يمولها ساويرس. سنكمل بقية الرحلة في الجزء القادم، نرجو منكم التعليق أو الإعجاب، فهل تودون أن أكمل؟




