محمد عنانى
في لقائي الأخير مع اللواء إبراهيم أبو ليمون، محافظ المنوفية، قبل أيام قليلة، كان الحديث معه مختلفًا عن أي حوار مع مسؤول كبير. اللافت في الأمر أنني كنت أجهز الأسئلة قبل الوصول إليه، تحسبًا لمفاجأته بأسئلة غير متوقعة، فهو شخصية تتطلب التفكير مليًا قبل الحديث معه. وإذا أتيحت لك فرصة لقاء اللواء إبراهيم أبو ليمون، فكر جيدًا قبل أن تتكلم، فقد تخطئ وتندم على ما تقول.
فأنت أما مسؤول لا يحكم بالعدل وإنما مسؤول يحكم بالفضل والمعلوم أن العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه وهو واجب، أما الفضل فهو ما يزيد على ذلك من الكرم والإحسان، ويمثل قمة الأخلاق والتفوق على مجرد الالتزام بالحقوق. فالعدل أساس القيم، والفضل قمتها. والفرق بينهما أن العدل يضمن حقوق الأفراد، بينما يتجاوز الفضل ذلك بالتفضل والعطاء غير الملزم.
خلال السنوات الماضية، صادفتني شخصيات عديدة، التقيت ببعضها وجهًا لوجه، واستمعت إلى آراء البعض الآخر عبر وسطاء، وتأملت آراء آخرين من خلال ما سجله التاريخ عنهم، وهو ما يمثل الوجه المعلن لهم. أما الوجه الخفي، فدائمًا ما نحتفظ به لأنفسنا. قد تشعر تجاه شخص ما في مواقف معينة بأنه بلغ أوج العظمة، وفي مواقف أخرى يهبط هذا الشخص نفسه من نظرك.
لكن مع اللواء إبراهيم أبو ليمون، محافظ المنوفية، الأمر مختلف تمامًا. فهو يعرف ويعلم ما بداخلك قبل أن تجلس أمامه، وتشعر وكأن لديه أجهزة تُظهر له ما بداخل كل إنسان، وهنا لا محالة ستسلم بالأمر الواقع. فلا مجال هنا للمقدمات أو أي محاولة أو مراوغة معه.
لذا، تجدني أتمسك بالعدل، بينما هو يفضل الفضل ويتوسع فيه. إنه يعرفني جيدًا، وفي الكثير من لقاءاتنا، كنت أحاول أن أحمله على الحكم بالعدل، لكنه كان يرفض، حتى أني قلت له حرفيًا: “أقبل قدميك، احكم بالعدل!” ولكنه كان يحكم بالفضل، وهذا ما يفعله مع كل من يتعامل معه.
أقول لنفسي: يجب أن تنتهي هذه الواقعة عند هذا الحد، احترامًا للرأي والرأي الآخر. وفي سؤالي القادم، سوف أجعله يحكم بالعدل , و في كل الإجابات أجد أن ميزان العدل قد غاب لديه ، وبات حكم الفضل هو الظاهر. حتى أنني عزمت على استيضاح الأمر من السيد المحافظ، وسؤاله لماذا لاتحكم بالعدل ويكون جوابه هل تتحمل أنت وزر أو عقاب الله عز وجل؟ فكيف تطلب مني أن أتحمله أنا؟
كل هذا يحدث بينما تتعجب من شخص عسكري لم يدرس علم النفس أو العلوم المتعلقة بالطبيعة البشرية، وتجده مهابًا لما يمثله من رمزية في الصراع النفسي لدى محاوره.
لا يمكن إغفال الدور تعامله في المجال العام و تحقيق التوازن السياسي والاقتصادي الملموس، وكأنه يسعى جاهدًا لتلبية احتياجات العديد من الفقراء، فيقوم بتزويج عدد من الفتيات وتجهيزهن في مقر ديوان محافظة المنوفية، ويحرص على التفاعل مع الفقراء قبل الشخصيات العامة.
في كل يوم خميس، يفاجئنا بكنوز يخرجها من تحت الأرض، فيعطي هذا كرسيًا متحركًا، وذاك مبالغ نقدية، ويصرف مواد تموينية للفقراء. وإذا سُئل عن مصدرها، يقول: من عند الله.
أدركت هنا أن الفضل أسمى مرتبة من العدل ألف مرة.
وهذا ما جعلنى اتأمل قول الله تعالي “وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ” ، وتعرف معنى الفضل والوفاء بالعهد وعدم نسيان المعروف، ورد الجميل والمبادرة بالعطاء وتذكر المواقف الجميلة بين الناس في حياتهم اليومية.