
بقلم د. حامد نبيل
في إطار سعي الدولة إلى تنظيم الاستيراد وترشيد الموارد، صدرت مؤخرًا مجموعة قواعد جديدة تُنظِّم استيراد سيارات ذوي الاحتياجات الخاصة. ورغم وجاهة الهدف المعلن، فإن التطبيق العملي لهذه القواعد كشف عن إشكالية جوهرية تتعلق بسوء توصيف السيارة المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، والتعامل معها كسلعة استهلاكية، لا كجهاز تعويضي أساسي. فالسيارة المجهزة طبيًا لا يمكن وضعها في ذات الخانة مع السيارات العادية؛ إذ تُمثِّل في واقع الأمر وسيلة تعويض حركي، ويعتمد عليها الشخص اعتمادًا شبه كلي في التنقل، والعمل، وتلقي العلاج، وممارسة حياته اليومية باستقلالية.
ولا خلاف على حق الدولة في وضع ضوابط تنظم الاستيراد وتمنع إساءة استخدام الإعفاءات، غير أن التنظيم المشروع يفقد مشروعيته عندما يتحول إلى عبء غير متناسب على فئة لها طبيعة خاصة واحتياجات استثنائية. فالقواعد الحالية، بما تتضمنه من قيود وإجراءات مُعقَّدة، لم تراعِ الفروق الجوهرية بين الشخص ذي الاحتياجات الخاصة وغيره، ولم تُميِّز بين من يستخدم السيارة كوسيلة ترف، ومن يعتمد عليها كبديل وظيفي لأطراف أو قدرات مفقودة. وحق التنقل ليس ترفًا، بل أحد الحقوق الأساسية المرتبطة بالكرامة الإنسانية، وتقييد هذا الحق بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة يعني عمليًا تقييد حقهم في العمل والعلاج والتعليم والمشاركة المجتمعية. ومن هذا المنطلق، فإن أي تشريع أو قرار تنظيمي يجب أن ينطلق من اعتبار السيارة المخصصة لهذه الفئة جزءًا من منظومة الرعاية والتأهيل، لا بندًا من بنود الاستيراد الخاضعة لمنطق السوق وحده.
هذا وقد كفل الدستور حقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وألزم الدولة بضمان استقلالهم ودمجهم الكامل في المجتمع. كما أن الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها الدولة أكدَّت بوضوح ضرورة توفير وسائل التنقل المناسبة دون تمييز أو تعقيد غير مبرر؛ ومن ثم فإن الإبقاء على قواعد تُقيِّد استيراد هذه السيارات دون مراعاة طبيعتها التعويضية يفتح بابًا للتساؤل بشأن مدى اتساق هذه القواعد مع الالتزامات الدستورية والإنسانية. والمطلوب ليس إلغاء القواعد التنظيمية، بل إعادة ضبطها؛ بحيث توازن بين منع التحايل من ناحية، وحماية حق أصيل لفئة أولى بالرعاية من ناحيةٍ. ويمكن تحقيق هذا النوع من التوازن من خلال مجموعة من الإجراءات تتمثل بدايةً في الاعتراف الصريح بالسيارة كجهاز تعويضي، وتبسيط الإجراءات المرتبطة بها، بجانب وضع ضوابط ذكية تستهدف المخالف فقط، لا الجميع. فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق بتوحيد المعايير، بل بمراعاة الفروق، ولا تُقاس بصرامة القواعد، بل بقدرتها على حماية من هم في أمسِّ الحاجة إليها.



