مقالات

د. حامد نبيل يكتب : انهيار الأخلاق بين سطوة الزَّيْف وتغريب القِيَم

يشهد المجتمع في السنوات الأخيرة حالة واضحة من التراجع الأخلاقي والقِيمي، وهي حالة لم تعد تقتصر على سلوكياتٍ فردية أو تصرفاتٍ عابرة، بل أصبحت ظاهرة تستحق دراسة مُعمَّقة، خاصة بعدما انعكست على العلاقات الإنسانية، وعلى شكل التعامل في البيوت والمدارس والجامعات ومختلف المؤسسات. فالأخلاق التي كانت ركيزة البناء المجتمعي بدأت تتعرض لاهتزازات خطيرة تحت تأثير عوامل متعددة، جعلت كثيرًا من السلوكيات الدخيلة تنتشر بلا رقيب، وأصبح النجاح يُقاس بالشكل والمظهر لا بالمضمون والقيمة.

ولعل من أبرز أسباب هذا التدني غياب القدوة الصالحة في حياة الأجيال الجديدة، سواء داخل الأسرة أو في المحيط العام. فحين يغيب النموذج المُلهم، يضطر الشباب إلى البحث عن بدائل زائفة تظهر لهم عبر الإعلام ومواقع التواصل، حيث تُصنع نجومية مبنية على التفاهة والسطحية، ويُروَّج لمنطق الثراء السريع والنجاح الخادع. كما أسهمت الضغوط الاقتصادية المتزايدة في دفع البعض للتنازل عن مبادئهم، تحت ضغط الحاجة أو الإحباط، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين القيم النظرية والتطبيق العملي لها.

كما لا يمكن إغفال الدور المتراجع للمؤسسات التربوية، وعلى رأسها المدرسة، التي انشغلت بالتحصيل الدراسي على حساب تهذيب السلوكيات وتربية الضمائر. فالمنظومة التعليمية التي كانت تُصنع فيها الشخصية وتُغرس فيها القيم، أصبحت في كثيرٍ من الأحيان مجرد نظام تعليمي بلا روح. وزاد الأمر سوءًا غياب الحوار الأسري الدافئ، وتحول التواصل داخل الأسرة إلى مجرد كلمات عابرة لا تبني علاقة ولا تصنع شخصية، في الوقت الذي أصبحت فيه التكنولوجيا هي المصدر الأول للمعلومات والسلوكيات التي يكتسبها الأبناء دون رقابةٍ أو توجيه.

ورغم قتامة المشهد، فإن العلاج ممكن إذا ما تكاملت الجهود تحت لواء الرغبة الحقيقية في التغيير. ويبدأ ذلك بإعادة الاعتبار لدور الأسرة بوصفها الحاضن الأول للأخلاق، من خلال التواصل الحقيقي مع الأبناء، وتقديم القدوة قبل النصيحة، والمتابعة بروح المحبة لا بروح التفتيش. ويجب أن تستعيد المدرسة دورها التربوي إلى جانب دورها التعليمي، وأن يُمنح المعلم المكانة التي تمكِّنه من التأثير وغرس القيم والانضباط. كما يحتاج الإعلام إلى مراجعة شاملة لخطابه، بحيث يبتعد عن تسويق الهابط ويعود إلى دوره في رفع الذوق العام وبناء الوعي.

وفي الوقت نفسه، ينبغي للمؤسسات الدينية أن تقدم خطابًا واقعيًا قريبًا من الناس، يعالج مشكلاتهم ويُهذِّب نفوسهم بروح الحكمة والموعظة الحسنة. كما أنه من الضروري وضع برامج واضحة لحماية الشباب وتوجيههم، من خلال مبادرات مجتمعية ومساحات آمنة للعمل والتعبير وتنمية الذات، إضافةً إلى تسليط الضوء على النماذج الإيجابية التي تستحق أن تكون قدوة.

إن التدني الأخلاقي والقِيمي ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة تراكمات يمكن للأفراد والمؤسسات والدولة معًا العمل على إصلاحها. فالأخلاق ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تتطلب وعيًا ومسئولية وإصرارًا على استعادة ما فقدناه. وحين تتكاتف الجهود وتُدار الأزمة بصدق، يمكن للمجتمع أن يستعيد توازنه، وأن يعيد للأخلاق مكانتها التي لا تقوم الحضارة بدونها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى