شيماء عبد المقصود تكتب: المتحف المصري الكبير… حيث يطير القلب ويعمل العقل
ذهبتُ إلى المتحف المصري الكبير، وقلبي وروحي يطيران قبلي، كأنني على موعد مع حلمٍ طال انتظاره.
وما إن دخلتُ القاعات الواسعة حتى غمرني شعور بالفرح والفخر واتسعت روحي على امتداد الدنيا، غير أن هذا المكان لا يكتفي بإبهار العين؛ بل يُشعل في العقل أسئلة لا تنتهي:
كيف حُفظت هذه الآثار آلاف السنين؟
كيف بقيت الألوان والنقوش زاهية وكأنها رُسمت بالأمس؟
إن مقبرة توت عنخ آمون، مثلًا، تشعرك وكأنها نُحتت اليوم، فالألوان أكثر بريقًا مما نراه في ثيابنا، وذهبهم يلمع كأنه خرج لتوه من أيدي الصاغة. ما هذه الدقة المدهشة؟ وما سر الهيبة التي تملأ المكان؟
وفي مدخل المتحف، يقف تمثال رمسيس الثاني شامخًا، كأنه يقول للعالم: أنا حارس مصر وبوابتها العظيمة.
تتأمل ملامحه فتشعر أن العظمة ليست في الحجارة، بل في الروح التي خلّدها التاريخ.
رأيت خبزًا مصريًا محنطًا منذ ثلاثة آلاف وخمسمائة عام، يشبه تمامًا خبزنا اليوم! أي عقل يمكنه أن يستوعب هذا الإعجاز؟ كيف استطاع المصري القديم أن يحافظ على تفاصيل الحياة بهذا الإتقان؟ كل شيء مصنوع بدقة وكأنهم كانوا يسيرون على خيوط من الحرير لا على الأرض.
ولم تكن دقتهم جمالًا فحسب، بل نفعًا وعبقرية عملية. فقد طوروا بلادهم، ووسعوا حدودها، وها هم اليوم ما زالوا ينفعون أحفادهم بعد آلاف السنين.
فكل حجر وقطعة أثرية تجذب السائحين وتُدر دخلاً لمصر الحديثة: من شركات الطيران والفنادق والمطاعم والمواصلات إلى البنوك وشركات الصرافة، الكل يستفيد من حضارة صنعها الأجداد بعرقهم وإيمانهم.
لقد أراد المصري القديم أن تخلد سيرته، فنقشها على الجدران، ورسمها على المعابد، وكأنه يهمس للأجيال القادمة: تذكروني، فإني صنعت لكم مجدًا لا يزول.
واليوم تحقق مراده، فالعالم كله يتوافد إلى مصر، والعائلات تأتي من كل مكان لتشهد عظمة التاريخ، حتى ازدحمت شوارع القاهرة وفنادقها بالملايين، وامتلأ المتحف بزائريه إلى حد إغلاق باب الحجز من شدة الإقبال.
هنا فقط، تدرك صدق ما غنّته أم كلثوم:
“اليومَ وقَفَ الخلقُ ينظرونَ جميعًا… كيف أبني قواعدَ المجدِ وحدي؟”
حقًا، إنها مصر… ماضيها يضيء حاضرها، وحاضرها يبني مجدها من جديد.




